فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 167

أحصى 32 طلبا من 45 حزبا وتيارا لإجراء استفتاءات شعبية للخروج من الاتحاد الأوروبي». وقال التقرير أيضا أن: «صدى مطالب الخروج وصلت إلى إيطاليا بعد أن دعا حزب الحرية المتطرف بهولندا والجبهة الوطنية بفرنسا لمنح مواطني بلديهما فرصة الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي» . وأن: «وباء الاستفتاء يجتاح دولا عديدة في القارة بينها بولندا والدانمارك» ، وأن «الشعبويين يطالبون بمعاقبة الأشرار ببروكسل» ، وأن «اختيار البريطانيين الخروج من الاتحاد أشعل شرارة جدل حاد في التشيك» . وأن: «التقارير الصحفية تتحدث عن مخاوف شديدة بوزارة المالية الألمانية من إمكانية خروج فرنسا والنمسا وهولندا وفنلندا والمجر من الوحدة الأوروبية» . أما كاتب التقرير فلاحظ أن «مطالب الاستفتاء مبنية على معارضة استقبال اللاجئين، وقال إن الكثير من هذه الأحزاب تؤيد بشكل متعجل وغريب قطع كل الروابط مع أوروبا» .

فإذا كانت هذه التيارات والأحزاب والقوى تنشط في العمل على «قطع كل الروابط مع أوروبا» ؛ فما هي هوية الدول الأوروبية؟ ومن هي أوروبا إذن؟ ومن تكون؟

أسئلة تذكر بوقائع التاريخ الأوروبي زمن الكنيسة! حيث لم يكن ثمة مجتمع ولا إنسان ولا مواطن ولا هوية في ظل الحكم الكنيسي. وحيث كانت أوروبا تعيش ثنائية الأسياد والعبيد. قبل الانطلاقة العلمية والمعرفية! ولعلها المفارقة الثانية في الخروج البريطاني. ففي زمن العبودية والتسلط كانت أوروبا تقاتل ذاتها من أجل الحرية، وفي زمن العلوم الرقمية تبدو أوروبا، مع نوازع التفكك والإنزواء نحو القوميات القديمة، ما قبل الدولة القومية، ترجع إلى نقطة الصفر. والصفر هنا بالمعنى الرقمي، سيؤدي إلى تراجع أوروبا من منطقة الواحد (( on إلى منطقة الصفر(off) ، حيث الحروب الأهلية والمذهبية الطاحنة.

وفي سياق «الصفر الرقمي» ، ثمة ما يستدعي التوقف عنده مليا، وهو قراءة مدير معهد الدراسات والأبحاث العليا في بروكسل وأستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس، دوفين محمد بدي أبنو، حين قال أن: «انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي سيوقظ جراحا كبيرة داخل الاتحاد، بل وداخل الدولة الوطنية نفسها التي أصبحت مهددة بالانقسام مثل ما يمكن أن يحدث من انفصال أسكتلندا وأيرلندا الشمالية عن بريطانيا» ، مشيرا إلى أن: «هذه الخطوة ربما ينظر إليها المؤرخون مستقبلا على أنها بداية انتقال مراكز القوة من أوروبا إلى آسيا» .

لكن كيف تتراجع أوروبا لصالح آسيا وهي رأسمالية مثلها، وحتى النخاع؟ وكيف تتقدم آسيا وهي موطن تقاسم الرأسمال مع أوروبا والولايات المتحدة؟ وما هو الضامن لإفلات العالم من شبح الحروب الأهلية والدولية المتصارعة على الرأسمال والموارد والثروات، فضلا عن مكونات المجتمعات الآسيوية، المحملة بعشرات آلاف الإثنيات والقوميات والعائلات والطوائف والمذاهب والأقليات المتصارعة تاريخيا؟

في مثل هذه الانعطافات الكبرى في الأرض، كانت دعوى الأنبياء منذ عهد آدم، عليه السلام، وإلى يومنا هذا. فالأيديولوجيات والمنظومات الوضعية تنهار، والبنى الاجتماعية تتفكك، والنظم السياسية تتصارع. سنن «دعوى التوحيد» ؛ ومن بينها «التدافع» هي الوحيدة التي تُصلح ما يفسده البشر، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. لذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت