فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 556

(ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر) . .

فهو أمر مستنكر منذ الابتداء , ليس له مبرر لأنه مخالف لطبائع الأشياء. إن بيوت الله خالصة لله , لا يذكر فيها إلا اسمه , ولا يدعى معه فيها أحد غيره , فكيف يعمرها من لا يعمر التوحيد قلوبهم , ومن يدعون مع الله شركاء , ومن يشهدون على أنفسهم بالكفر شهادة الواقع الذي لا يملكون إنكاره , ولا يسعهم إلا إقراره ? إقراره ?

(أولئك حبطت أعمالهم) . .

فهي باطلة أصلا , ومنها عمارة بيت الله التي لا تقوم إلا على قاعدة من توحيد الله.

(وفي النار هم خالدون) . .

بما قدموا من الكفر الواضح الصريح.

إن العبادة تعبير عن العقيدة ; فإذا لم تصح العقيدة لم تصح العبادة ; وأداء الشعائر وعمارة المساجد ليست بشيء ما لم تعمر القلوب بالاعتقاد الإيماني الصحيح , وبالعمل الواقع الصريح , وبالتجرد لله في العمل والعبادة على السواء:

(إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) . .

والنص على خشية الله وحده دون سواه بعد شرطي الإيمان الباطن والعمل الظاهر , لا يجيء نافلة. فلا بد من التجرد لله ; ولابد من التخلص من كل ظل للشرك في الشعور أو السلوك ; وخشية أحد غير الله لون من الشرك الخفي ينبه إليه النص قصدا في هذا الموضع ليتمحض الاعتقاد والعمل كله لله. وعندئذ يستحق المؤمنون أن يعمروا مساجد الله , ويستحقون أن يرجوا الهداية من الله:

(فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) . .

فإنما يتوجه القلب وتعمل الجوارح , ثم يكافئ الله على التوجه والعمل بالهداية والوصول والنجاح.

هذه هي القاعدة في استحقاق عمارة بيوت الله ; وفي تقويم العبادات والشعائر على السواء يبينها الله للمسلمين والمشركين , فما يجوز أن يسوى الذين كانوا يعمرون الكعبة ويسقون الحجيج في الجاهلية , وعقيدتهم ليست خالصة لله , ولا نصيب لهم من عمل أو جهاد , لا يجوز أن يسوى هؤلاء - لمجرد عمارتهم للبيت وخدمتهم للحجيج - بالذين آمنوا إيمانا صحيحا وجاهدوا في سبيل الله وإعلاء كلمته:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت