فهرس الكتاب
(ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر) . .
فهو أمر مستنكر منذ الابتداء , ليس له مبرر لأنه مخالف لطبائع الأشياء. إن بيوت الله خالصة لله , لا يذكر فيها إلا اسمه , ولا يدعى معه فيها أحد غيره , فكيف يعمرها من لا يعمر التوحيد قلوبهم , ومن يدعون مع الله شركاء , ومن يشهدون على أنفسهم بالكفر شهادة الواقع الذي لا يملكون إنكاره , ولا يسعهم إلا إقراره ? إقراره ?
(أولئك حبطت أعمالهم) . .
فهي باطلة أصلا , ومنها عمارة بيت الله التي لا تقوم إلا على قاعدة من توحيد الله.
(وفي النار هم خالدون) . .
بما قدموا من الكفر الواضح الصريح.
إن العبادة تعبير عن العقيدة ; فإذا لم تصح العقيدة لم تصح العبادة ; وأداء الشعائر وعمارة المساجد ليست بشيء ما لم تعمر القلوب بالاعتقاد الإيماني الصحيح , وبالعمل الواقع الصريح , وبالتجرد لله في العمل والعبادة على السواء:
(إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) . .
والنص على خشية الله وحده دون سواه بعد شرطي الإيمان الباطن والعمل الظاهر , لا يجيء نافلة. فلا بد من التجرد لله ; ولابد من التخلص من كل ظل للشرك في الشعور أو السلوك ; وخشية أحد غير الله لون من الشرك الخفي ينبه إليه النص قصدا في هذا الموضع ليتمحض الاعتقاد والعمل كله لله. وعندئذ يستحق المؤمنون أن يعمروا مساجد الله , ويستحقون أن يرجوا الهداية من الله:
(فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) . .
فإنما يتوجه القلب وتعمل الجوارح , ثم يكافئ الله على التوجه والعمل بالهداية والوصول والنجاح.
هذه هي القاعدة في استحقاق عمارة بيوت الله ; وفي تقويم العبادات والشعائر على السواء يبينها الله للمسلمين والمشركين , فما يجوز أن يسوى الذين كانوا يعمرون الكعبة ويسقون الحجيج في الجاهلية , وعقيدتهم ليست خالصة لله , ولا نصيب لهم من عمل أو جهاد , لا يجوز أن يسوى هؤلاء - لمجرد عمارتهم للبيت وخدمتهم للحجيج - بالذين آمنوا إيمانا صحيحا وجاهدوا في سبيل الله وإعلاء كلمته: