فهرس الكتاب
كُلُّهُمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلٍّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ} . وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى , وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ الْجِهَادَ مَا فُرِضَ لِعَيْنِهِ , وَإِنَّمَا فُرِضَ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ , وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْ الْعِبَادِ. وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَامَنَ الْمُسْلِمُونَ , وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. فَإِذَا اشْتَغَلَ الْكُلُّ بِالْجِهَادِ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِلْقِيَامِ بِمَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَارَةً يَخْرُجُ , وَتَارَةً يَبْعَثُ غَيْرَهُ , حَتَّى قَالَ: {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي , وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِمْ , مَا تَخَلَّفْت عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْدُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدِينَ غَيْرُ آثِمِينَ مَعَ جِهَادِ غَيْرِهِمْ , فَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ كُلًّا الْحُسْنَى , وَالْعَاصِي لَا يُوعَدُ بِهَا , وَلَا تَفَاضُلَ بَيْنَ مَاجُورٍ وَمَازُورٍ. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ إلَى بَنِي لِحْيَانَ , وَقَالَ: لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ , ثُمَّ قَالَ لِلْقَاعِدِينَ: أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ} ". وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إنَّ الْجِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ.: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وَقَوْلُهُ: {إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . وَقَوْلُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ , وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ , مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ} . وَأَنَّ الْقَاعِدِينَ الْمَوْعُودِينَ بِالْحُسْنَى كَانُوا حُرَّاسًا , أَيْ كَانُوا مِنْ هَذَيْنِ كَذَلِكَ."
ج - (آدَابُهُ) : 5 - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ آدَابًا كَثِيرَةً يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا قَائِدُ الْجَيْشِ نُلَخِّصُهَا فِيمَا يَاتِي: (1) الرِّفْقُ بِالْجُنُودِ فِي السَّيْرِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَضْعَفُهُمْ وَيَحْفَظُ بِهِ قُوَّةَ أَقْوَاهُمْ , وَلَا يَجِدُّ فِي السَّيْرِ فَيُهْلِكَ الضَّعِيفَ , وَيَسْتَفْرِغَ جَلَدَ الْقَوِيِّ , وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ. صلى الله عليه وسلم: {إنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ , فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى} . لَكِنْ إنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْجَدِّ فِي السَّيْرِ جَازَ لَهُ , فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَدَّ فِي السَّيْرِ جَدًّا شَدِيدًا حِينَ بَلَغَهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ , لِيُشْغِلَ النَّاسَ عَنْ الْخَوْضِ فِي كَلَامِ ابْنِ أُبَيٍّ. (2) أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَهُمْ وَأَحْوَالَ مَا يَمْتَطُونَهُ مِنْ دَوَابَّ وَمَرْكَبَاتٍ , فَيُخْرِجَ مِنْهَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى السَّيْرِ , وَيَمْنَعَ مَنْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَا يَزِيدُ عَنْ طَاقَتِهَا , كَمَا يَمْنَعُ مَا يُظْهِرُ الْجَيْشَ الْإِسْلَامِيَّ بِمَظْهَرِ الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ , لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} . (3) أَنْ يُرَاعِيَ أَحْوَالَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ , وَهُمْ