فهرس الكتاب
ولقد كان كبراء قريش يقولون للجماهير: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) . . وكانت هذه المقالة تدل على الذعر الذي تضطرب به نفوسهم ونفوس أتباعهم من تأثير هذا القرآن ; وهم يرون هؤلاء الأتباع كأنما يسحرون بين عشية وضحاها من تأثير الآية والآيتين , والسورة والسورتين , يتلوهما محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم فتنقاد إليه النفوس , وتهوى إليه الأفئدة.
ولم يقل رؤساء قريش لأتباعهم وأشياعهم هذه المقالة , وهم في نجوة من تأثير هذا القرآن. فلولا أنهم أحسوا في أعماقهم هزة روعتهم ما أمروا هذا الأمر , وما أشاعوا في قومهم بهذا التحذير , الذي هو أدل من كل قول على عمق التأثير!
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث: أن أبا سفيان بن حرب , وأبا جهل بن هشام , والأخنس بن شريق بن عمر بن وهب الثقفي حليف بني زهرة. . خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيبته. فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه , وكل لا يعلم بمكان صاحبه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فتلاوموا , وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا , فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا! ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة! ثم انصرفوا. . حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود! فتعاهدوا على ذلك , ثم تفرقوا.
"فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه. ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته , فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. فقال: يا أبا ثعلبة , والله لقد سمعت أشياء أعرفها , وأعرف ما يراد بها ; وسمعت أشياء ما عرفت معناها , ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به."
"قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل , فدخل عليه بيته , فقال: يا أبا الحكم , ما رأيك فيما سمعت من محمد ? فقال: ماذا سمعت ?! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف. أطعموا فأطعمنا , وحملوا فحملنا , وأعطوا فأعطينا , حتى إذا تجاثينا على الركب , وكنا كفرسي رهان , قالوا: منا نبي"