فهرس الكتاب
وهذا موجود في كلام العرب يذكرون الجملة ثم يأتون بالإضمار عائدا على بعضها، كما قيل في قوله تعالى:"وإن منكم إلا واردها" [مريم: 71] أنها القيامة. ثم قال جل وعز:"ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا" [مريم:72] يعني جل وعز جهنم. ونظير هذه الآية من السنة في المعنى قوله عليه السلام: (لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء) . يقول: لو علم أحدهم أنه يجد شيئا حاضرا معجلا يأخذه لأتى المسجد من أجله."ولكن بعدت عليهم الشقة"حكى أبو عبيدة وغيره أن الشقة السفر إلى أرض بعيدة. يقال: منه شقة شاقة. والمراد بذلك كله غزوة تبوك. وحكى الكسائي أنه يقال: شُقة وشِقة. قال الجوهري: الشقة بالضم من الثياب، والشقة أيضا السفر البعيد وربما قالوه بالكسر. والشقة شظية تشظى من لوح أو خشبة. يقال للغضبان: احتد فطارت منه شقة، بالكسر."وسيحلفون بالله لو استطعنا"أي لو كان لنا سعة في الظهر والمال."لخرجنا معكم"نظيره"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" [آل عمران: 97] فسرها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (زاد وراحلة) وقد تقدم."يهلكون أنفسهم"أي بالكذب والنفاق."والله يعلم إنهم لكاذبون"في الاعتلال.
الآية: 43 {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}
قوله تعالى:"عفا الله عنك لم أذنت لهم"قيل: هو افتتاح كلام، كما تقول: أصلحك الله وأعزك ورحمك كان كذا وكذا. وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على قوله:"عفا الله عنك"، حكاه مكي والمهدوي والنحاس. وأخبره بالعفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فرقا. وقيل: المعنى عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم، فلا يحسن الوقف على قوله:"عفا الله عنك"على هذا التقدير، حكاه المهدوي واختاره النحاس. ثم قيل: في الإذن قولان: الأول:"لم أذنت لهم"في الخروج معك، وفي خروجهم بلا عدة ونية صادقة فساد. الثاني -"لم أذنت لهم"في القعود لما اعتلوا بأعذار، ذكرها القشيري قال: وهذا عتاب تلطف إذ قال:"عفا الله عنك". وكان عليه السلام أذن من غير وحي نزل فيه. قال قتادة وعمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي وأخذه من الأسارى الفدية فعاتبه الله كما تسمعون. قال بعض العلماء: إنما بدر منه ترك الأولى فقدم الله العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب.
قوله تعالى:"حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين"أي ليتبين لك من صدق ممن نافق. قال ابن عباس: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يومئذ