فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 556

لو كان الأمر أمر عرض قريب من أعراض هذه الأرض , وأمر سفر قصير الأمد مأمون العاقبة لاتبعوك! ولكنها الشقة البعيدة التي تتقاصر دونها الهمم الساقطة والعزائم الضعيفة. ولكنه الجهد الخطر الذي تجزع منه الأرواح الهزيلة والقلوب المنخوبة. ولكنه الأفق العالي الذي تتخاذل دونه النفوس الصغيرة والبنية المهزولة.

وإنه لنموذج مكرور في البشرية ذلك الذي ترسمه تلك الكلمات الخالدة:

(لو كان عرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة) . .

فكثيرون هم أولئك الذين يتهاوون في الطريق الصاعد إلى الآفاق الكريمة. كثيرون أولئك الذين يجهدون لطول الطريق فيتخلفون عن الركب ويميلون إلى عرض تافه أو مطلب رخيص. كثيرون تعرفهم البشرية في كل زمان وفي كل مكان , فما هي قلة عارضة , إنما هي النموذج المكرور. وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة , وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب , واجتنبوا أداء الثمن الغالي , فالثمن القليل لا يشتري سوى التافه الرخيص!

(وسيحلفون باللّه لو استطعنا لخرجنا معكم) . .

فهو الكذب المصاحب للضعف أبدًا. وما يكذب إلا الضعفاء. أجل ما يكذب إلا ضعيف ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض الأحايين. فالقوي يواجه والضعيف يداور. وما تتخلف هذه القاعدة في موقف من المواقف ولا في يوم من الأيام. .

(يهلكون أنفسهم) . .

بهذا الحلف وبهذا الكذب , الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس , واللّه يعلم الحق , ويكشفه للناس , فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه , ويهلك في الآخرة يوم لا يجدي النكران.

(واللّه يعلم إنهم لكاذبون) . .

(عفا اللّه عنك. لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) . . .

إنه لطف اللّه برسوله , فهو يعجل له بالعفو قبل العتاب. فلقد تدارى المتخلفون خلف إذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم بالقعود حين قدموا له المعاذير. وقبل أن ينكشف صدقهم من كذبهم في هذه المعاذير. وكانوا سيتخلفون عن الركب حتى ولو لم يأذن لهم. فعندئذ تتكشف حقيقتهم , ويسقط عنهم ثوب النفاق , ويظهرون للناس على طبيعتهم , ولا يتوارون خلف إذن الرسول.

وإذا لم يكن ذلك فإن القرآن يتولى كشفهم , ويقرر القواعد التي يمتاز بها المؤمنون والمنافقون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت