فهرس الكتاب
(لا يستأذنك الذين يؤمنون باللّه واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم واللّه عليم بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر وارتابت قلوبهم , فهم في ريبهم يترددون) .
وهذه هي القاعدة التي لا تخطئ. فالذين يؤمنون باللّه , ويعتقدون بيوم الجزاء , لا ينتظرون أن يؤذن لهم في أداء فريضة الجهاد ; ولا يتلكأون في تلبية داعي النفرة في سبيل اللّه بالأموال والأرواح ; بل يسارعون إليها خفافًا وثقالًا كما أمرهم اللّه , طاعة لأمره , ويقينًا بلقائه , وثقة بجزائه , وابتغاء لرضاه. وإنهم ليتطوعون تطوعًا فلا يحتاجون إلى من يستحثهم , فضلًا عن الإذن لهم. إنما يستأذن أولئك الذين خلت قلوبهم من اليقين فهم يتلكأون ويتلمسون المعاذير , لعل عائقًا من العوائق يحول بينهم وبين النهوض بتكاليف العقيدة التي يتظاهرون بها , وهم يرتابون فيها ويترددون.
إن الطريق إلى اللّه واضحة مستقيمة , فما يتردد ويتلكأ إلا الذي لا يعرف الطريق , أو الذي يعرفها ويتنكبها اتقاء لمتاعب الطريق!
ولقد كان أولئك المتخلفون ذوي قدرة على الخروج , لديهم وسائله , وعندهم عدته:
(ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) . .
وقد كان فيهم عبداللّه بن أبي بن أبي سلول , وكان فيهم الجد بن قيس , وكانوا أشرافًا في قومهم أثرياء.
(ولكن كره اللّه انبعاثهم) . .
لما يعلمه من طبيعتهم ونفاقهم , ونواياهم المنطوية على السوء للمسلمين كما سيجيء.
(فثبطهم) . .
ولم يبعث فيهم الهمة للخروج.
(وقيل: اقعدوا مع القاعدين) . .
وتخلفوا مع العجائز والنساء والأطفال الذين لا يستطيعون الغزو , ولا ينبعثون للجهاد. فهذا مكانكم اللائق بالهمم الساقطة والقلوب المرتابة والنفوس الخاوية من اليقين.
وكان ذلك خيرًا للدعوة وخيرًا للمسلمين:
(لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة , وفيكم سماعون لهم , واللّه عليم بالظالمين) . .
والقلوب الحائرة تبث الخور والضعف في الصفوف , والنفوس الخائنة خطر على الجيوش ; ولو خرج أولئك المنافقون ما زادوا المسلمين قوة