فهرس الكتاب
والتعبير يرسم مشهدًا كأن الفتنة فيه هاوية يسقط فيها المفتونون ; وكأن جهنم من ورائهم تحيط بهم , وتأخذ عليهم المنافذ والمتجهات فلا يفلتون. كناية عن مقارفتهم للخطيئة كاملة وعن انتظار العقاب عليها حتمًا , جزاء الكذب والتخلف والهبوط إلى هذا المستوى المنحط من المعاذير. وتقريرًا لكفرهم وإن كانوا يتظاهرون بالإسلام وهم فيه منافقون.
إنهم لا يريدون بالرسول خيرًا ولا بالمسلمين ; وإنهم ليسوؤهم أن يجد الرسول والمسلمون خيرًا:
(إن تصبك حسنة تسؤهم) . .
وإنهم ليفرحون لما يحل بالمسلمين من مصائب وما ينزل بهم من مشقة:
(وإن تصبك مصيبة يقولوا: قد أخذنا أمرنا من قبل) . .
واحتطنا ألا نصاب مع المسلمين بشرّ , وتخلفنا عن الكفاح والغزو!
(ويتولوا وهم فرحون) . .
بالنجاة وبما أصاب المسلمين من بلاء.
ذلك أنهم يأخذون بظواهر الأمور , ويحسبون البلاء شرًا في كل حال , ويظنون أنهم يحققون لأنفسهم الخير بالتخلف والقعود. وقد خلت قلوبهم من التسليم للّه , والرضى بقدره , واعتقاد الخير فيه. والمسلم الصادق يبذل جهده ويقدم لا يخشى , اعتقادًا بأن ما يصيبه من خير أو شر معقود بإرادة اللّه , وأن اللّه ناصر له ومعين:
(قل: لن يصيبنا إلا ما كتب اللّه لنا هو مولانا وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون) . .
واللّه قد كتب للمؤمنين النصر , ووعدهم به في النهاية , فمهما يصبهم من شدة , ومهما يلاقوا من ابتلاء , فهو إعداد للنصر الموعود , ليناله المؤمنون عن بينة , وبعد تمحيص , وبوسائله التي اقتضتها سنة اللّه , نصرًا عزيزًا لا رخيصًا , وعزة تحميها نفوس عزيزة مستعدة لكل ابتلاء , صابرة على كل تضحية. واللّه هو الناصر وهو المعين:
(وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون) . .
والاعتقاد بقدر اللّه , والتوكل الكامل على اللّه , لا ينفيان اتخاذ العدة بما في الطوق. فذلك أمر اللّه الصريح:
(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. . .) وما يتكل على اللّه حق الاتكال من لا ينفذ أمر اللّه , ومن لا يأخذ بالأسباب , ومن لايدرك سنة اللّه الجارية التي لا تحابي أحدًا , ولا تراعي خاطر إنسان!
على أن المؤمن أمره كله خير. سواء نال النصر أو نال الشهادة. والكافر أمره كله شر سواء أصابه عذاب اللّه المباشر أو على أيدي المؤمنين: