فهرس الكتاب
(قل: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين , ونحن نتربص بكم أن يصيبكم اللّه بعذاب من عنده أو بأيدينا. فتربصوا إنا معكم متربصون) . .
فماذا يتربص المنافقون بالمؤمنين ? إنها الحسنى على كل حال. النصر الذي تعلو به كلمة اللّه , فهو جزاؤهم في هذه الأرض. أو الشهادة في سبيل الحق عليا الدرجات عند اللّه. وماذا يتربص المؤمنون بالمنافقين ? إنه عذاب اللّه يأخذهم كما أخذ من قبلهم من المكذبين ; أو ببطش المؤمنين بهم كما وقع من قبل للمشركين. . (فتربصوا إنا معكم متربصون) والعاقبة معروفة. . والعاقبة معروفة للمؤمنين.
ولقد كان بعض هؤلاء المعتذرين المتخلفين المتربصين , قد عرض ماله , وهو يعتذر عن الجهاد , ذلك ليمسك العصا من الوسط على طريقة المنافقين في كل زمان ومكان. فرد اللّه عليهم مناورتهم , وكلف رسوله أن يعلن أن إنفاقهم غير مقبول عند اللّه , لأنهم إنما ينفقون عن رياء وخوف , لا عن إيمان وثقة , وسواء بذلوه عن رضا منهم بوصفه ذريعة يخدعون بها المسلمين , أو عن كره خوفًا من انكشاف أمرهم , فهو في الحالتين مردود , لا ثواب له ولا يحسب لهم عند اللّه:
قل: أنفقوا طوعًا أو كرهًا لن يتقبل منكم , إنكم كنتم قومًا فاسقين. وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا باللّه ورسوله , ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى , ولا ينفقون إلا وهم كارهون.
إنها صورة المنافقين في كل آن. خوف ومداراة , وقلب منحرف وضمير مدخول. ومظاهر خالية من الروح , وتظاهر بغير ما يكنه الضمير.
والتعبير القرآني الدقيق:
(ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) . .
فهم يأتونها مظهرًا بلا حقيقة , ولا يقيمونها إقامة واستقامة. يأتونها كسالى لأن الباعث عليها لا ينبثق من أعماق الضمير , إنما يدفعون إليها دفعًا , فيحسون أنهم عليها مسخرون! وكذلك ينفقون ما ينفقون كارهين مكرهين.
وما كان اللّه ليقبل هذه الحركات الظاهرة التي لا تحدو إليها عقيدة , ولا يصاحبها شعور دافع. فالباعث هو عمدة العمل والنية هي مقياسه الصحيح.
ولقد كان هؤلاء المنفقون وهم كارهون ذوي مال وذوي أولاد , وذوي جاه في قومهم وشرف. ولكن هذا كله ليس بشيء عند اللّه. وكذلك يجب ألا يكون شيئًا عند الرسول والمؤمنين. فما هي بنعمة يسبغها اللّه عليهم ليهنأوا بها , إنما هي الفتنة يسوقها اللّه إليهم ويعذبهم بها: