فهرس الكتاب
فهم متطلعون أبدًا إلى مخبأ يحتمون به , ويأمنون فيه. حصنًا أو مغارة أو نفقًا. إنهم مذعورون مطاردون يطاردهم الفزع الداخلي والجبن الروحي. ومن هنا:
(يحلفون باللّه إنهم لمنكم) . .
بكل أدوات التوكيد , ليداروا ما في نفوسهم , وليتقوا انكشاف طويتهم , وليأمنوا على ذواتهم. . وإنها لصورة زرية للجبن والخوف والملق والرياء. لا يرسمها إلا هذا الاسلوب القرآني العجيب. الذي يبرز حركات النفس شاخصة للحس على طريقة التصوير الفني الموحي العميق.
ثم يستمر سياق السورة في الحديث عن المنافقين , وما يند منهم من أقوال وأعمال , تكشف عن نواياهم التي يحاولون سترها , فلا يستطيعون. فمنهم من يلمز النبي - صلى الله عليه وسلم - في توزيع الصدقات , ويتهم عدالته في التوزيع , وهو المعصوم ذو الخلق العظيم , ومنهم من يقول: هو أذن يستمع لكل قائل , ويصدق كل ما يقال , وهو النبي الفطن البصير , المفكر المدبر الحكيم. ومنهم من يتخفى بالقولة الفاجرة الكافرة , حتى إذا انكشف أمره استعان بالكذب والحلف ليبرئ نفسه من تبعة ما قال. ومنهم من يخشى أن ينزل اللّه على رسوله سورة تفضح نفاقهم وتكشفهم للمسلمين.
ويعقب على استعراض هذه الصنوف من المنافقين , ببيان طبيعة النفاق والمنافقين , ويربط بينهم وبين الكفار الذين خلوا من قبل , فأهلكهم اللّه بعد ما استمتعوا بنصيبهم إلى أجل معلوم. ذلك ليكشف عن الفوارق بين طبيعتهم هذه وطبيعة المؤمنين الصادقين , الذين يخلصون العقيدة ولا ينافقون.
الدرس الخامس:58 - 60 لمز المنافقين للرسول بالصدقات وبيان مصارف الزكاة
(ومنهم من يلمزك في الصدقات , فإن أعطوا منها رضوا , وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون. ولو أنهم رضوا ما آتاهم اللّه ورسوله , وقالوا: حسبنا اللّه , سيؤتينا اللّه من فضله ورسوله , إنا إلى اللّه راغبون. إنما الصدقات للفقراء والمساكين , والعاملين عليها , والمؤلفة قلوبهم , وفي الرقاب , والغارمين , وفي سبيل الله وابن السبيل , فريضة من اللّه واللّه عليم حكيم) . .
من المنافقين من يغمزك بالقول , ويعيب عدالتك في توزيع الصدقات , ويدعي أنك تحابي في قسمتها. وهم لا يقولون ذلك غضبًا للعدل , ولا حماسة للحق , ولا غيرة على الدين , إنما يقولونه لحساب ذواتهم وأطماعهم , وحماسة لمنفعتهم وأنانيتهم: