وقد أخفى الله سبحانه علمها على العباد رحمة بهم ليكثر عملهم في طلبها في تلك الليالي الفاضلة بالصلاة والذكر والدعاء فيزداد قربًا من الله وثوابًا، وأخفاها اختبارًا لهم أيضًا ليتبين بذلك من كان جادًا في طلبها حريصًا عليها ممن كان كسلان متهاونًا. فإن من حرص على شيء جد في طلبه وهان عليه كل شيء في سبيله. وقد يُطلعُ الله عليها بعض عباده بأمارات يعرفونها بها كما رأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه يسجد صبيحتها في ماء وطين [1] .
المبحث الثالث
اعتكاف العشر الأواخر من رمضان
للعشر الأخيرة من رمضان فضائل عظيمة وخصائص كثيرة، منها أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد فيها بأنواع الطاعات ما لا يجتهد في غيرها، وكان يشد مئزره يوقظ أهله وكان يعتكف فيها. يدل لذلك ما روته عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره...) [2] .
وما روته أيضًا قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله ...) [3] .
وما روته أيضًا: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده...) [4] .
(1) مجالس شهر رمضان ص 107. لقد بالغ بعض الباحثين فذكروا في ليلة القدر ما يزيد على الستين قولًا. وبعض هذه الأقوال عند التحقيق يرجع
إلى بعض. ولكن الراجح والله أعلم ما ذكرناه. انظر للفائدة: الحاوي للفتاوى للسيوطي ج 1 ص 333 قال فيه:
في ليلة القدر أقوال وعدتها لنحو خمسين قولًا يا أخي صلي
وانظر: سطوع البدر بفضائل ليلة القدر لإبراهيم الحازمي ص 69 وما بعدها.
(2) رواه مسلم. صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ص 70.
(3) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج 3 ص 41، صحيح مسلم بشرح النووي ج 8 ص 70.
(4) رواه البخاري. صحيح البخاري ج 3 ص 42.