فهرس الكتاب

الصفحة 1798 من 3584

وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: إِنَّ نَبَتَ وَأَنْبَتَ بِمَعْنًى، وَالْأَصْمَعِيُّ يُنْكِرُ أَنْبَتَ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا بها حَتَّى إِذَا أَنْبَتَ الْبَقْلُ

أَيْ: نَبَتَ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَالْأَعْرَجُ «تُنْبَتُ» بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ. قَالَ الزَّجَّاجُ وَابْنُ جِنِّيٍّ:

أَيْ تَنْبُتُ وَمَعَهَا الدُّهْنُ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ «تَخْرُجُ» بِالدُّهْنِ، وَقَرَأَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ «تُنْبِتُ الدُّهْنَ» بِحَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ. وَقَرَأَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْأَشْهَبُ «بِالدِّهَانِ» . وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ مَعْطُوفٌ عَلَى الدُّهْنِ، أَيْ:

تَنْبُتُ بِالشَّيْءِ الْجَامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ دُهْنًا يدهن به. وكونه صبغا يؤتدم به. قرأ الْجُمْهُورُ صِبْغٍ وَقَرَأَ قَوْمٌ «صِبَاغٍ» مِثْلُ لِبْسٍ وَلِبَاسٍ، وَكُلُّ إِدَامٍ يُؤْتَدَمُ بِهِ فَهُوَ صِبْغٌ وَصِبَاغٌ، وَأَصْلُ الصِّبْغِ مَا يُلَوَّنُ بِهِ الثَّوْبُ، وَشُبِّهَ الْإِدَامُ بِهِ لِأَنَّ الْخُبْزَ يَكُونُ بِالْإِدَامِ كَالْمَصْبُوغِ بِهِ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْأَنْعَامِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ. قَالَ النَّيْسَابُورِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَلَعَلَّ الْقَصْدَ بِالْأَنْعَامِ هُنَا إِلَى الْإِبِلِ خَاصَّةً لِأَنَّهَا هِيَ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا فِي الْعَادَةِ، وَلِأَنَّهُ قَرَنَهَا بِالْفُلْكِ وَهِيَ سَفَائِنُ الْبَرِّ، كَمَا أَنَّ الْفُلْكَ سَفَائِنُ الْبَحْرِ. وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهَا عِبْرَةٌ لِأَنَّهَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِخَلْقِهَا وَأَفْعَالِهَا عَلَى عَظِيمِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، ثُمَّ فَصَّلَ سُبْحَانَهُ مَا فِي هَذِهِ الْأَنْعَامِ مِنَ النِّعَمِ بَعْدَ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْعِبْرَةِ فِيهَا لِلْعِبَادِ، فَقَالَ: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها يَعْنِي سُبْحَانَهُ: اللَّبَنَ الْمُتَكَوِّنَ فِي بُطُونِهَا الْمُنْصَبَّ إِلَى ضُرُوعِهَا، فَإِنَّ فِي انْعِقَادِ مَا تَأْكُلُهُ مِنَ الْعَلَفِ وَاسْتِحَالَتِهِ إِلَى هَذَا الْغِذَاءِ اللَّذِيذِ، وَالْمَشْرُوبِ النَّفِيسِ أَعْظَمَ عِبْرَةٍ لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَأَكْبَرَ مَوْعِظَةٍ لِلْمُتَّعِظِينَ. قُرِئَ نُسْقِيكُمْ بِالنُّونِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَقُرِئَ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ هُوَ الْأَنْعَامُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ إِجْمَالًا فَقَالَ: وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ يَعْنِي فِي ظُهُورِهَا وَأَلْبَانِهَا وَأَوْلَادِهَا وَأَصْوَافِهَا وَأَشْعَارِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْفَعَةً خَاصَّةً فَقَالَ: وَمِنْها تَأْكُلُونَ لِمَا فِي الْأَكْلِ مِنْ عظيم الانتفاع لهم، وكذلك ذَكَرَ الرُّكُوبَ عَلَيْهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ العظيمة فقال: عَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ

أَيْ: وَعَلَى الْأَنْعَامِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْأَنْعَامِ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، فَالْمُرَادُ: وَعَلَى بعض الأنعام، وهي الْإِبِلُ خَاصَّةً، فَالْمَعْنَى وَاضِحٌ.

ثُمَّ لَمَّا كَانَتِ الْأَنْعَامُ هِيَ غَالِبَ مَا يَكُونُ الرُّكُوبُ عَلَيْهِ فِي الْبَرِّ ضَمَّ إِلَيْهَا مَا يَكُونُ الرُّكُوبُ عليه في البحر، فقال:

عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ

تَتْمِيمًا لِلنِّعْمَةِ وَتَكْمِيلًا لِلْمِنَّةِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: السُّلَالَةُ: صَفْوُ الْمَاءِ الرَّقِيقِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ طَارَتْ فِي شَعْرٍ وَظُفْرٍ فَتَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَنْحَدِرُ فِي الرَّحِمِ فَتَكُونُ عَلَقَةً. وَلِلتَّابِعِينَ فِي تَفْسِيرِ السُّلَالَةِ أَقْوَالٌ قَدْ قَدَّمَنَا الْإِشَارَةَ إِلَيْهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ قَالَ: الشَّعْرُ وَالْأَسْنَانُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ قَالَ: نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وَكَذَا قَالَ: مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ والشعبي والحسن وأبو العالية والربيع بن أنس والسدّي والضحّاك وَابْنِ زَيْدٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ قَالَ: حِينَ اسْتَوَى بِهِ الشَّبَابُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت