جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ قَالَ: «لَيْسَ يَهُودِيٌّ يَمُوتُ أَبَدًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ خَرَّ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ؟ قَالَ يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ فَقِيلَ أَرَأَيْتَ إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: يتلجلج بها لِسَانُهُ» .
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوَ هَذَا عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَبْلَ هَذَا، وَقَيَّدَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: بِأَنَّهُ يُؤْمِنُ بِهِ مَنْ أَدْرَكَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ. وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِنُزُولِ عِيسَى حَسْبَمَا أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي مُؤَلَّفٍ مُسْتَقِلٍّ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ مَا وَرَدَ فِي الْمُنْتَظَرِ وَالدَّجَّالِ وَالْمَسِيحِ.
[سورة النساء (4) : الآيات 160 الى 165]
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (161) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا (164)
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)
الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَبِظُلْمٍ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالتَّنْكِيرُ وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ: فَبِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ حَرَّمْنَا عليهم طيبات أحلت لهم، لا بسبب شي آخَرَ، كَمَا زَعَمُوا أَنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا بَدَلٌ مِنْ قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ. وَالطَّيِّبَاتُ الْمَذْكُورَةُ: هِيَ مَا نَصَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ «1» الْآيَةَ وَبِصَدِّهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهو اتباع محمد صلّى الله عليه وَسَلَّمَ، وَتَحْرِيفِهِمْ، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، وَمَا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ الْمَعْرُوفَةِ. وَقَوْلُهُ: كَثِيرًا مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ الْمَذْكُورِ، أَيْ: بِصَدِّهِمْ نَاسًا كَثِيرًا، أَوْ صِفَةُ مصدر محذوف، أي: صدّا كثيرا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ أَيْ: مُعَامَلَتِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالرِّبَا وَأَكْلِهِمْ لَهُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ كَالرِّشْوَةِ وَالسُّحْتِ الَّذِي كَانُوا يَأْخُذُونَهُ. قَوْلُهُ: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا أَوْ مِنَ الَّذِينَ هادُوا وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ أَنْكَرُوا وَقَالُوا: إِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَانَتْ حَرَامًا فِي الْأَصْلِ وَأَنْتَ تُحِلُّهَا، فَنَزَلَ: لكِنِ الرَّاسِخُونَ وَالرَّاسِخُ: هُوَ الْمُبَالِغُ فِي عِلْمِ الْكِتَابِ الثَّابِتِ فِيهِ، وَالرُّسُوخُ: الثُّبُوتُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آلِ عِمْرَانَ. وَالْمُرَادُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَنَحْوُهُمَا. وَالرَّاسِخُونَ: مُبْتَدَأٌ، وَيُؤْمِنُونَ: خَبَرُهُ، وَالْمُؤْمِنُونَ: مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّاسِخُونَ. وَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ:
إِمَّا مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، أَوْ مِنَ الْجَمِيعِ. قوله: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ
(1) . الأنعام: 146.