فهرس الكتاب

الصفحة 2971 من 3584

[سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى 36]

كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَما أَدْراكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (22)

عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (26) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27)

عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (32)

وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ (36)

قَوْلُهُ: كَلَّا لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، وَالتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، وَجُمْلَةُ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ مَا تَضَمَّنَتْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «كَلَّا» بِمَعْنَى حَقًّا، وَالْأَبْرَارُ: هُمُ الْمُطِيعُونَ، وَكِتَابُهُمْ:

صَحَائِفُ حَسَنَاتِهِمْ. قَالَ الْفَرَّاءُ: «عِلِّيِّينَ» ارْتِفَاعٌ بَعْدَ ارْتِفَاعٍ لَا غَايَةَ لَهُ، وَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ مَنْقُولٌ مِنْ جَمْعِ عَلِّيٍّ من العلوّ. قال الزجاج: هو أعلى الْأَمْكِنَةِ. قَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: فَأُعْرِبَ كَإِعْرَابِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ نَحْوَ ثَلَاثِينَ وَعِشْرِينَ وَقِنَّسْرِينَ، قِيلَ: هُوَ عَلَمٌ لِدِيوَانِ الْخَيْرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ مَا عَمِلَهُ الصَّالِحُونَ. وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ. قَالَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي السَّمَاءَ السَّابِعَةَ فِيهَا أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى يَنْتَهِي إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَا يَعْدُوهَا، وَقِيلَ: هُوَ الْجَنَّةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: هُوَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عِنْدَ قَائِمَةِ الْعَرْشِ الْيُمْنَى، وَقِيلَ: إِنَّ عِلِّيِّينَ صِفَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ فَإِنَّهُمْ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ فِي بَنِي فُلَانٍ، أَيْ: فِي جُمْلَتِهِمْ وَما أَدْراكَ مَا عِلِّيُّونَ- كِتابٌ مَرْقُومٌ أَيْ: وَمَا أَعْلَمَكَ يَا مُحَمَّدُ أَيُّ شَيْءٍ عِلِّيُّونَ؟ عَلَى جِهَةِ التَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ لِعِلِّيِّينَ، ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ:

كِتابٌ مَرْقُومٌ أَيْ: مَسْطُورٌ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا كَالْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ: وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ- كِتابٌ مَرْقُومٌ وجملة يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ صفة أخرى لكتاب، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَحْضُرُونَ ذَلِكَ الْكِتَابَ الْمَرْقُومَ، وَقِيلَ: يَشْهَدُونَ بِمَا فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ وَهْبٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ: الْمُقَرَّبُونَ هُنَا إِسْرَافِيلُ، فَإِذَا عَمِلَ الْمُؤْمِنُ عَمَلَ الْبِرِّ صَعِدَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالصَّحِيفَةِ وَلَهَا نُورٌ يَتَلَأْلَأُ فِي السَّمَاوَاتِ كَنُورِ الشَّمْسِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى إِسْرَافِيلَ فَيَخْتِمُ عَلَيْهَا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ حَالَهُمْ فِي الْجَنَّةِ بَعْدَ ذِكْرِ كِتَابِهِمْ فَقَالَ: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ أَيْ: إِنَّ أَهْلَ الطَّاعَةِ لَفِي تَنَعُّمٍ عَظِيمٍ لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ الْأَرَائِكُ: الْأَسِرَّةُ الَّتِي فِي الْحِجَالِ «1» ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تُطْلَقُ الْأَرِيكَةُ عَلَى السَّرِيرِ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي حَجَلَةٍ. قَالَ الْحَسَنُ: مَا كُنَّا نَدْرِي مَا الْأَرَائِكُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ، فَزَعَمَ أَنَّ الْأَرِيكَةَ عِنْدَهُمُ الْحَجَلَةُ إِذَا كَانَ فِيهَا سَرِيرٌ. وَمَعْنَى يَنْظُرُونَ أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَاتِ، كَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ:

يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْلِ النَّارِ، وَقِيلَ: يَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِهِ وَجَلَالِهِ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ أي: إذا

(1) . الحجال: جمع الحجلة، وهي ساتر كالقبّة يتّخذ للعروس، يزيّن بالثياب والسّتور والأسرّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت