فهرس الكتاب

الصفحة 616 من 3584

قَرَأَ الْحَسَنُ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَجَمَاعَةٌ: وَالْمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا هُوَ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ نَصْبِهِ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ عَلَى أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ: أَنَّهُ نُصِبَ عَلَى الْمَدْحِ، أي: وأعني الْمُقِيمِينَ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: هَذَا بَابُ مَا يُنْتَصَبُ عَلَى التَّعْظِيمِ، وَمِنْ ذَلِكَ: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَأَنْشَدَ:

وَكُلُّ قَوْمٍ أَطَاعُوا أَمْرَ سَيِّدِهِمْ ... إِلَّا نُمَيْرًا أطاعت أمر غاويها

الظّاعنين ولمّا يظعنوا أَحَدًا ... وَالْقَائِلُونَ لِمَنْ دَارٌ نُخَلِّيهُا

وَأَنْشَدَ:

لَا يَبْعَدَنَّ قَوْمَيِ الَّذِينَ هُمْ ... سُمُّ الْعُدَاةِ وَآفَةُ الْجُزْرِ

النَّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ... وَالطَّيِّبُونَ مَعَاقِدَ الْأُزْرِ

قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي الْمُقِيمِينَ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْخَلِيلُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ قَالَ الْأَخْفَشُ: وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَكُونُ هَكَذَا: وَيُؤْمِنُونَ بِالْمُقِيمِينَ. ووجهه محمد بن يزيد المبرد: أن الْمُقِيمِينَ هُنَا هُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَبِمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْمَلَائِكَةِ، وَاخْتَارَ هَذَا. وَحُكِيَ: أَنَّ النَّصْبَ عَلَى الْمَدْحِ بَعِيدٌ، لِأَنَّ الْمَدْحَ إِنَّمَا يَأْتِي بَعْدَ تَمَامِ الْخَبَرِ، وَخَبَرُ الرَّاسِخُونَ هُوَ قَوْلُهُ: أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا وَقِيلَ: إِنَّ الْمُقِيمِينَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: مِنْهُمْ وَفِيهِ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مُضْمَرٍ بِدُونِ إِعَادَةِ الْخَافِضِ. وَحُكِيَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ الْمُقِيمِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ «1» وعن قوله: وَالصَّابِئُونَ «2» فِي الْمَائِدَةِ؟ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أَخِي! الْكُتَّابُ أَخْطَئُوا. أَخْرَجَهُ عَنْهَا أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِهِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.

وَقَالَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ: كان الكاتب يملي عليه فَيَكْتُبُ فَكَتَبَ: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ ثُمَّ قَالَ مَا أَكْتُبُ؟ فَقِيلَ لَهُ اكْتُبْ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ فَمِنْ ثُمَّ وَقَعَ هَذَا. وأخرج عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا الْكِتَابَ كَانُوا قُدْوَةً فِي اللُّغَةِ فَلَا يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ. وَيُجَابُ عَنِ الْقُشَيْرِيِّ: بِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ فَرَغَ مِنَ الْمُصْحَفِ وَأُتِيَ بِهِ إِلَيْهِ قَالَ: أَرَى فِيهِ شَيْئًا مِنْ لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بألسنها. أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ. وَقَدْ رَجَّحَ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ النَّحْوِ وَالتَّفْسِيرِ، وَرَجَّحَ قَوْلَ الْخَلِيلِ وَالْكِسَائِيِّ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَالْقَفَّالُ، وَعَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ تَكُونُ الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ خَبَرَ «الرَّاسِخُونَ» هُوَ قَوْلُهُ: أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَوْ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إِنْ جَعْلَنَا خَبَرَ «الرَّاسِخُونَ» هُوَ يُؤْمِنُونَ، وَجَعَلَنَا قَوْلَهُ: وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ عَطْفًا عَلَى الْمُؤْمِنُونَ، لَا عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ: أَنَّ الْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُمُ الْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ. قَوْلُهُ: وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ هُمْ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ، وُصِفُوا أَوَّلًا بِالرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ، ثُمَّ بِالْإِيمَانِ بِكُتُبِ اللَّهِ، وَأَنَّهُمْ: يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَيُؤْمِنُونَ بالله واليوم

(1) . طه: 63.

(2) . المائدة: 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت