فهرس الكتاب

الصفحة 1915 من 3584

فَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِأَنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ «1» وقال النبي صلّى الله عليه وَسَلَّمَ: «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا» ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ عِلَّةَ الْإِنْزَالِ فَقَالَ: لِنُحْيِيَ بِهِ أَيْ:

بِالْمَاءِ الْمُنَزَّلِ مِنَ السَّمَاءِ بَلْدَةً مَيْتًا وَصَفَ الْبَلْدَةَ بميتا، وهي صفة للمذكر لأنها بِمَعْنَى الْبَلَدِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ:

أَرَادَ بِالْبَلَدِ الْمَكَانَ، وَالْمُرَادُ بِالْإِحْيَاءِ هُنَا: إِخْرَاجُ النَّبَاتِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا أَيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الْمَاءَ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا وَأَبُو حَيَّانَ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِنْ «نَسْقِيهِ» وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّهَا، وَ «مِنْ» فِي مِمَّا خَلَقْنَا لِلِابْتِدَاءِ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، وَالْأَنْعَامُ: قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَالْأَنَاسِيُّ: جَمْعُ إِنْسَانٍ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالْمُبَرِّدُ وَالزَّجَّاجُ: إِنَّهُ جَمْعُ إِنْسِيٍّ، وَلِلْفَرَّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إِنَّهُ جَمْعُ إِنْسَانٍ، وَالْأَصْلُ أَنَاسِينَ، مِثْلُ سَرْحَانَ وَسَرَاحِينَ، وَبُسْتَانٍ وَبَسَاتِينَ، فَجَعَلُوا الْبَاءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ضَمِيرُ صَرَّفْنَاهُ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الدَّلَائِلِ، أَيْ: كَرَّرْنَا أَحْوَالَ الْإِظْلَالِ، وَذِكْرُ إِنْشَاءِ السَّحَابِ وَإِنْزَالِ الْمَطَرِ فِي الْقُرْآنِ وَفِي سَائِرِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويعتبروا فَأَبى أَكْثَرُ هُمْ إِلَّا كُفْرَانَ النِّعْمَةِ وَجَحْدَهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورَاتِ، وَهُوَ الْمَطَرُ، أَيْ:

صَرَّفْنَا الْمَطَرَ بَيْنَهُمْ فِي الْبُلْدَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، فنزيد منه فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، وَنُنْقِصُ فِي بَعْضٍ آخَرَ مِنْهَا، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْقُرْآنِ، وَقَدْ جَرَى ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قَالَ: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ وَقَوْلُهُ: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وقوله: اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا وَالْمَعْنَى:

وَلَقَدْ كَرَّرْنَا هَذَا الْقُرْآنَ بِإِنْزَالِ آيَاتِهِ بَيْنَ النَّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ وَيَعْتَبِرُوا بِمَا فِيهِ، فَأَبَى أَكْثَرُهُمْ إِلَّا كُفُورًا بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الرِّيحِ، وَعَلَى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إِلَى الْمَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ، فَقِيلَ: مَا ذَكَرْنَاهُ. وَقِيلَ:

صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ وَابِلًا، وَطَشًّا، وَطَلًّا، وَرَذَاذًا، وَقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي الشُّرْبِ وَالسَّقْيِ وَالزِّرَاعَاتِ بِهِ وَالطَّهَارَاتِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا هُوَ قَوْلُهُمْ: فِي الْأَنْوَاءِ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا. قال النحاس: ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافا أن الكفر هنا قولهم: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ «صَرَفْنَاهُ» مُخَفَّفًا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «لِيَذْكُرُوا» مُخَفَّفَةُ الذَّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا أَيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهُمْ كَمَا قَسَّمْنَا الْمَطَرَ بَيْنَهُمْ، وَلَكِنَّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنَا نَذِيرًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فِيمَا يَدْعُونَكَ إِلَيْهِ مِنَ اتِّبَاعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ فِي الدَّعْوَةِ وَاثْبُتْ فِيهَا وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ:

وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا رَاجِعٌ إِلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: جَاهِدْهُمْ بِالْقُرْآنِ، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ مَا فِيهِ مِنَ الْقَوَارِعِ، وَالزَّوَاجِرِ وَالْأَوَامِرِ، وَالنَّوَاهِي. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: بِالسَّيْفِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وَالْأَمْرُ بِالْقِتَالِ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ:

فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا

(1) . الأنفال: 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت