فهرس الكتاب

الصفحة 1918 من 3584

لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ دَلَائِلَ التَّوْحِيدِ، عَادَ إِلَى ذِكْرِ قَبَائِحِ الْكُفَّارِ، وَفَضَائِحِ سِيرَتِهِمْ فَقَالَ: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ إِنْ عَبَدُوهُ وَلا يَضُرُّهُمْ إِنْ تَرَكُوهُ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا الظَّهِيرُ:

الْمَظَاهِرُ، أَيِ: الْمُعَاوِنُ عَلَى رَبِّهِ بِالشِّرْكِ وَالْعَدَاوَةِ، وَالْمُظَاهَرَةُ عَلَى الرَّبِّ هِيَ الْمُظَاهَرَةُ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ عَلَى دِينِهِ:

قَالَ الزَّجَّاجُ: لِأَنَّهُ يُتَابِعُ الشَّيْطَانَ وَيُعَاوِنُهُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ عِبَادَتَهُمْ لِلْأَصْنَامِ مُعَاوَنَةٌ لِلشَّيْطَانِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَعْنَى وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ هَيِّنًا ذَلِيلًا، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ ظَهَرْتُ بِهِ: أَيْ جَعَلْتُهُ خَلْفَ ظَهْرِكَ لَمْ تَلْتَفِتْ إليه، ومنه قوله: وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا «1» أَيْ: هَيِّنًا، وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:

تَمِيمُ بن قيس لَا تَكُونَنَّ حَاجَتِي ... بِظَهْرٍ فَلَا يَعْيَا عَلِيَّ جَوَابُهَا

وَقِيلَ إِنَّ الْمَعْنَى: وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وَهُوَ الصَّنَمُ قَوِيًّا غَالِبًا يَعْمَلُ بِهِ مَا يَشَاءُ، لِأَنَّ الْجَمَادَ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى دَفْعٍ وَنَفْعٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الظَّهِيرُ جَمْعًا كَقَوْلِهِ: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ «2» وَالْمَعْنَى:

أَنَّ بَعْضَ الْكَفَرَةِ مَظَاهِرٌ لِبَعْضٍ عَلَى رسول الله أو على الدين، وَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِ هُنَا الْجِنْسُ، وَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُ سَبَبِ النُّزُولِ هُوَ كَافِرٌ مُعَيَّنٌ كَمَا قِيلَ إِنَّهُ أَبُو جَهْلٍ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا أَيْ: مُبَشِّرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ، وَمُنْذِرًا لِلْكَافِرِينَ بالنار قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أَيْ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى الْقُرْآنِ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالْإِرْسَالِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا مُنْقَطِعٌ، أَيْ: لَكِنَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا فَلْيَفْعَلْ، وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ. وَالْمَعْنَى: إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِالطَّاعَةِ وَصَّوَرَ ذَلِكَ بِصُورَةِ الْأَجْرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَقْصُودُ الْحُصُولِ. وَلَمَّا بَيَّنَ سُبْحَانَهَ أَنَّ الْكُفَّارَ مُتَظَاهِرُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَطْلُبَ مِنْهُمْ أَجْرًا أَلْبَتَّةَ، أَمَرَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِي دَفْعِ الْمَضَارِّ، وَجَلْبِ الْمَنَافِعِ فَقَالَ: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَخَصَّ صِفَةَ الْحَيَاةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْحَيَّ هُوَ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ فِي الْمَصَالِحِ، وَلَا حَيَاةَ عَلَى الدَّوَامِ إِلَّا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، دُونَ الْأَحْيَاءِ الْمُنْقَطِعَةِ حَيَاتُهُمْ، فَإِنَّهُمْ إِذَا مَاتُوا ضَاعَ مَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ، وَالتَّوَكُّلُ اعْتِمَادُ الْعَبْدِ عَلَى اللَّهِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ أَيْ: نَزِّهْهُ عَنْ صِفَاتِ النُّقْصَانِ، وَقِيلَ: مَعْنَى سَبِّحْ: صَلِّ، وَالصَّلَاةُ: تُسَمَّى تَسْبِيحًا وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا أَيْ:

حَسْبُكَ، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ يُرَادُ بِهَا الْمُبَالَغَةُ كَقَوْلِكَ: كَفَى بِاللَّهِ رَبًّا، وَالْخَبِيرُ: الْمُطَّلِعُ عَلَى الْأُمُورِ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ زَادَ فِي الْمُبَالَغَةِ، فَقَالَ: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا فِي الْأَعْرَافِ، وَالْمَوْصُولُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْحَيِّ، وَقَالَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَهُنَّ لِأَنَّهُ أَرَادَ النَّوْعَيْنِ، كَمَا قَالَ القطامي:

ألم يحزنك أنّ حبال قيس ... وتغلب قد تباينتا انْقِطَاعًا

فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ خَلْقُ العرش بعد خلق السموات وَالْأَرْضِ كَمَا تُفِيدُهُ ثُمَّ فَيُقَالُ إِنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لَمْ تَدْخُلْ عَلَى خَلْقِ الْعَرْشِ بَلْ على رفعه على السموات والأرض، والرحمن مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف،

(1) . هود: 92.

(2) . التحريم: 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت