فهرس الكتاب

الصفحة 2210 من 3584

قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ، أَيْ: الْمُبَالِغُ فِي الْغُرُورِ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ وَأَبُو حَاتِمٍ:

الْغَرُورُ الشَّيْطَانُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، وَاسْتَبْعَدَهُ الزَّجَّاجُ، لِأَنَّ غَرَّرَ بِهِ مُتَعَدٍّ، وَمَصْدَرُ المتعدي إنما هو على فعل نحو ضربته ضَرْبًا، إِلَّا فِي أَشْيَاءَ يَسِيرَةٍ مَعْرُوفَةٍ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا يَغُرَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ بِاللَّهِ فَيَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ، وَيَغْفِرُ لَكُمْ لِفَضْلِكُمْ، أَوْ لِسَعَةِ رَحْمَتِهِ لَكُمْ. وقرأ أبو حيوة، وأبو سماك، ومحمّد بن السميقع بِضَمِّ الْغَيْنِ، وَهُوَ الْبَاطِلُ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَالْغُرُورُ بِالضَّمِّ: مَا يَغُرُّ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْغُرُورُ جَمْعَ غَارٍّ، مِثْلَ قَاعِدٍ وَقُعُودٍ، قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرَ غَرَّهُ كَاللُّزُومِ وَالنُّهُوكِ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الزَّجَّاجِ مِنَ الِاسْتِبْعَادِ. ثُمَّ حَذَّرَ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَقَالَ:

إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا أَيْ: فَعَادُوهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا تُطِيعُوهُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ. ثُمَّ بَيَّنَ لِعِبَادِهِ كَيْفِيَّةَ عَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ فَقَالَ: إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ أَيْ: إِنَّمَا يَدْعُو أَشْيَاعَهُ، وَأَتْبَاعَهُ، وَالْمُطِيعِينَ لَهُ إِلَى مَعَاصِي اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَمَحَلُّ الْمَوْصُولِ فِي قَوْلِهِ: الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ الرفع على الابتداء، ولهم عَذَابٌ شَدِيدٌ: خَبَرُهُ، أَوِ الرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ فَاعِلِ يَكُونُوا، أَوِ النَّصْبُ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ حِزْبَهُ، أَوِ النَّعْتِ لَهُ، أَوْ إِضْمَارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الذَّمِّ، وَالْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ من أصحاب، أو النعت له. وَالرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَقْوَى هَذِهِ الْوُجُوهِ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ ذِكْرِ عَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ وَدُعَائِهِ لِحِزْبِهِ ذَكَرَ حَالَ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُطِيعِينَ لَهُ، وَالْعَاصِينَ عَلَيْهِ فَالْفَرِيقُ الْأَوَّلُ قَالَ: «لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ» وَالْفَرِيقُ الْآخَرُ قَالَ فِيهِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أَيْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ بِسَبَبِ الْإِيمَانِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَيُعْطِيهِمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَهُوَ الْجَنَّةُ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ مَا سَبَقَ مِنْ ذِكْرِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَ «مَنْ» : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ: مَحْذُوفٌ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: وَالتَّقْدِيرُ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:

فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ قَالَ: وَهَذَا كَلَامٌ عَرَبِيٌّ ظَرِيفٌ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ:

تَقْدِيرُهُ كَمَنْ هَدَاهُ، وَقَدَّرَهُ غَيْرُهُمَا كَمَنْ لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، وَهَذَا أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَقَدْ وَهَمَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ، فَحَكَى عَنِ الزَّجَّاجِ مَا قَالَهُ الْكِسَائِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَالَّذِي قَالَهُ الْكِسَائِيُّ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ، لِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَهَى نَبِيَّهُ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ عَنْ شِدَّةِ الِاغْتِمَامِ بِهِمْ، وَالْحُزْنِ عَلَيْهِمْ كما قال: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ «1» وَجُمْلَةُ: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ مُقَرِّرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا، أَيْ: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ أَنْ يُضِلَّهُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ أَنْ يَهْدِيَهُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْهَاءِ مُسْنَدًا إِلَى النَّفْسِ، فَتَكُونُ مِنْ بَابِ: لَا أَرَيَنَّكَ هَاهُنَا. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةُ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَالْأَشْهَبُ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَنَصْبِ «نَفْسَكَ» وَانْتِصَابِ «حَسَرَاتٍ» عَلَى أَنَّهُ عِلَّةٌ:

أَيْ لِلْحَسَرَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الْحَالِ كَأَنَّهَا صَارَتْ كُلُّهَا حَسَرَاتٍ لِفَرْطِ التَّحَسُّرِ كَمَا رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ.

وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: إِنَّهَا تَمْيِيزٌ. وَالْحَسْرَةُ شِدَّةُ الْحُزْنِ عَلَى مَا فَاتَ مِنَ الْأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ لا يخفى

(1) . الكهف: 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت