فهرس الكتاب

الصفحة 2559 من 3584

بِسَبَبِ التَّقْوَى، وَالتَّرَجِّي بِاعْتِبَارِ الْمُخَاطَبِينَ، أَيْ: رَاجِينَ أَنْ تُرْحَمُوا، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ إِذَا تَقَرَّرَ بَغْيُهَا عَلَى الْإِمَامِ، أَوْ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ مُسْتَدِلًّا بقوله صلّى الله عليه وَسَلَّمَ:

«قِتَالُ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ» فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ قِتَالُ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَبْغِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:

لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ اخْتِلَافٍ يَكُونُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْهَرَبَ مِنْهُ وَلُزُومَ الْمَنَازِلِ لَمَا أُقِيمَ حَقٌّ، وَلَا أُبْطِلَ بَاطِلٌ وَلَوَجَدَ أَهْلُ النِّفَاقِ وَالْفُجُورِ سَبَبًا إِلَى اسْتِحْلَالِ كُلِّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَبْيِ نِسَائِهِمْ، وَسَفْكِ دِمَائِهِمْ بِأَنْ يَتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ، وَلِكَفِّ الْمُسْلِمِينَ أَيْدِيَهُمْ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ:

«خُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ» . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَعُمْدَةٌ فِي حَرْبِ الْمُتَأَوِّلِينَ، وَعَلَيْهَا عَوَّلَ الصَّحَابَةُ، وَإِلَيْهَا لَجَأَ الْأَعْيَانُ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ، وَإِيَّاهَا عنى النبيّ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ، وَقَوْلُهُ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ الْخَوَارِجِ: «يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ السُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزَاءُ.

وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ: سَخِرْتُ بِهِ وَضَحِكْتُ بِهِ وَهَزَأْتُ بِهِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: سَخِرْتُ مِنْهُ وَسَخِرْتُ بِهِ، وَضَحِكْتُ مِنْهُ وَضَحِكْتُ بِهِ، وهزئت منه وهزئت بِهِ، كُلُّ ذَلِكَ يُقَالُ: وَالِاسْمُ السُّخْرِيَةُ وَالسُّخْرَى، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا «1» ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: النَّهْيُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَسْتَهْزِئَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَعَلَّلَ هَذَا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ أَيْ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْخُورُ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا مِنَ السَّاخِرِينَ بِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ قَوْمٌ مُخْتَصًّا بِالرِّجَالِ، لِأَنَّهُمُ الْقُوَّمُ عَلَى النِّسَاءِ أَفْرَدَ النِّسَاءَ بِالذِّكْرِ فَقَالَ: وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ أَيْ: وَلَا يَسْخَرْ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ الْمَسْخُورُ بِهِنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ يَعْنِي خَيْرًا مِنَ السَّاخِرَاتِ مِنْهُنَّ، وَقِيلَ: أَفْرَدَ النِّسَاءَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ السُّخْرِيَةَ مِنْهُنَّ أَكْثَرُ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ اللَّمْزُ: الْعَيْبُ، وَقَدْ مَضَى تَحْقِيقُهُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ «2» قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اللَّمْزُ بِالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْإِشَارَةِ، وَالْهَمْزُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللِّسَانِ، وَمَعْنَى: لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ لَا يَلْمِزْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَمَا في قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ «3» وقوله: فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ «4» قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يَطْعَنْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَلْعَنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ التَّنَابُزُ: التَّفَاعُلُ مِنَ النَّبْزِ بِالتَّسْكِينِ وَهُوَ الْمَصْدَرُ، وَالنَّبَزُ بِالتَّحْرِيكِ اللَّقَبُ، وَالْجَمْعُ أَنْبَازٌ، وَالْأَلْقَابُ جَمْعُ لَقَبٍ، وَهُوَ اسْمٌ غَيْرُ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ الْإِنْسَانُ، والمراد هنا لقب السوء، والتنابز بالألقاب بأن يُلَقِّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ أَنْ يَقُولَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ: يَا فَاسِقُ، يَا مُنَافِقُ. أَوْ يَقُولَ لِمَنْ أَسْلَمَ: يَا يَهُودِيُّ، يَا نَصْرَانِيُّ، قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ كُلُّ شَيْءٍ أَخْرَجْتَ بِهِ أَخَاكَ مِنَ الْإِسْلَامِ، كَقَوْلِكَ يَا كَلْبُ، يَا حِمَارُ، يَا خِنْزِيرُ. قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَيَّرُ بِكُفْرِهِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا يَهُودِيُّ يَا نَصْرَانِيُّ، فَنَزَلَتْ، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَعِكْرِمَةُ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ أَيْ: بِئْسَ الِاسْمُ الَّذِي

(1) . الزخرف: 32.

(2) . التوبة: 58.

(3) . النساء: 29.

(4) . النور: 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت