فهرس الكتاب

الصفحة 2569 من 3584

وَالْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ، أَيْ: أَيَبْعَثُنَا، أَوْ أَنَرْجِعُ إِذَا مِتْنَا لِدَلَالَةِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ فَجَوَابُ إِذَا مَحْذُوفٌ، أَيْ: رَجَعْنَا، وَقِيلَ: ذَلِكَ رَجْعٌ، وَالْمَعْنَى: اسْتِنْكَارُهُمْ لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَمَصِيرِهِمْ تُرَابًا. ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعَادِهِمْ لِلْبَعْثِ فَقَالُوا: ذلِكَ أَيِ: الْبَعْثُ رَجْعٌ بَعِيدٌ أَيْ: بَعِيدٌ عَنِ الْعُقُولِ أَوِ الْأَفْهَامِ أَوِ الْعَادَةِ أَوِ الْإِمْكَانِ، يُقَالُ: رَجَعْتُهُ أَرْجِعُهُ رَجْعًا، وَرَجَعَ هُوَ يَرْجِعُ رُجُوعًا.

ثُمَّ رَدَّ سُبْحَانَهُ مَا قَالُوهُ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ أَيْ: مَا تَأْكُلُ مِنْ أَجْسَادِهِمْ فَلَا يَضِلُّ عَنَّا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بشيء حَتَّى انْتَهَى إِلَى عِلْمِ مَا يَذْهَبُ مِنْ أَجْسَادِ الْمَوْتَى فِي الْقُبُورِ لَا يَصْعُبُ عَلَيْهِ الْبَعْثُ وَلَا يُسْتَبْعَدُ مِنْهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنَا الْمَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنَا مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ وَمَنْ يَبْقَى لِأَنَّ مَنْ مَاتَ دُفِنَ، فَكَأَنَّ الْأَرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الْأَمْوَاتِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: مَنْ يَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ أَيْ: حَافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ وَلِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ اللَّوْحُ المحفوظ، وقيل: المراد بالكتاب هنا العلم والإحصاء، والأوّل أولى. وقيل: حفيظ بمعنى محفوظ، أَيْ:

مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ، أَوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ. ثُمَّ أَضْرَبَ سُبْحَانَهُ عَنْ كَلَامِهِمُ الْأَوَّلِ، وَانْتَقَلَ إِلَى مَا هُوَ أَشْنَعُ مِنْهُ، فَقَالَ: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنْهُمْ بالتكذيب بعد ما تقدّم عنهم من الاستبعاد، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا الْقُرْآنُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَقِيلَ: هُوَ الْإِسْلَامُ، وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وَقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثَّابِتَةُ بِالْمُعْجِزَاتِ لَمَّا جاءَهُمْ أَيْ: وَقْتَ مَجِيئِهِ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ تَدَبُّرٍ وَلَا تَفَكُّرٍ وَلَا إِمْعَانِ نَظَرٍ، قَرَأَ الْجُمْهُورُ:

بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ. وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ: بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أَيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً سَاحِرٌ، وَمَرَّةً شَاعِرٌ، وَمَرَّةً كَاهِنٌ قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مُخْتَلِفٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مُلْتَبِسٌ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، وَقِيلَ: فَاسِدٌ، وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: مَرَجَتْ أَمَانَاتُ النَّاسِ:

أَيْ فَسَدَتْ، وَمَرَجَ الدِّينُ وَالْأَمْرُ اخْتَلَطَ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ أي: الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ: أَيْ كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَجَعَلْنَاهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمَادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَزَيَّنَّاها بِمَا جَعَلْنَا فِيهَا مِنَ الْمَصَابِيحِ وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أَيْ: فُتُوقٍ وَشُقُوقٍ وَصُدُوعٍ، وَهُوَ جَمْعُ فَرْجٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ القيس:

تسدّ بِهِ فَرْجَهَا مِنْ دُبُرْ «1»

قَالَ الْكِسَائِيُّ: لَيْسَ فِيهَا تَفَاوُتٌ وَلَا اخْتِلَافٌ وَلَا فُتُوقٌ وَالْأَرْضَ مَدَدْناها أَيْ: بَسَطْنَاهَا وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ أَيْ: جِبَالًا ثَوَابِتَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ الرَّعْدِ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ أَيْ: مِنْ كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ الْحَجِّ تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ هُمَا عِلَّتَانِ لِمَا تَقَدَّمَ مُنْتَصِبَانِ بِالْفِعْلِ الْأَخِيرِ مِنْهَا، أَوْ بِمُقَدَّرٍ، أَيْ: فَعَلْنَا مَا فَعَلْنَا لِلتَّبْصِيرِ وَالتَّذْكِيرِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ.

وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: انْتَصَبَا عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ، أَيْ: جَعَلْنَا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى. وَالْمُنِيبُ الرَّاجِعُ إلى الله بالتوبة،

(1) . وصدره: لها ذنب مثل ذيل العروس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت