فهرس الكتاب

الصفحة 2678 من 3584

وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ فِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ، كَمَا حَكَاهُ الْوَاحِدِيُّ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ، أَيْ: تَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فَتَضَعُونَ التَّكْذِيبَ مَوْضِعَ الشُّكْرِ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ: إِنَّ أَزْدَ شَنُوءَةَ يَقُولُونَ: مَا رُزِقَ فُلَانٌ؟ أَيْ: ما شكره. وَعَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ لَا يَكُونُ فِي الْآيَةِ مضاف محذوف بل معنى الرزق والشكر. وَوَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالرِّزْقِ عَنِ الشُّكْرِ أَنَّ الشُّكْرَ يفيض زيادة الرِّزْقِ فَيَكُونُ الشُّكْرُ رِزْقًا تَعْبِيرًا بِالسَّبَبِ عَنِ الْمُسَبَّبِ، وَمِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُ الْكُفَّارِ إِذَا سَقَاهُمُ اللَّهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ: سُقِينَا بِنَوْءِ كَذَا، وَمُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَعْنَى الْآيَةِ وَتَجْعَلُونَ بَدَلَ شُكْرِكُمْ رِزْقَكُمُ الَّذِي رَزَقَكُمُ اللَّهُ التَّكْذِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الرَّزَّاقِ. وَقَرَأَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ «وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ» وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّكْذِيبِ، وَقَرَأَ عَلِيٌّ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْكَذِبِ. فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ أَيْ: فَهَلَّا إِذَا بَلَغَتِ الرُّوحُ، أَوِ النَّفْسُ، الْحُلْقُومَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَفْهُومٌ عِنْدَهُمْ إِذَا جَاءُوا بِمِثْلِ هذه العبارة، ومنه قول حاتم طيء:

أَمِاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ

وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ إِلَى مَا هُوَ فِيهِ ذَلِكَ الَّذِي بَلَغَتْ نَفْسُهُ أَوْ رُوحُهُ الْحُلْقُومَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَأَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْمَيِّتِ فِي تِلْكَ الْحَالِ تَرَوْنَ الْمَيِّتَ قَدْ صَارَ إِلَى أَنْ تَخْرُجَ نَفْسُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَا يُمْكِنُهُمُ الدَّفْعُ عَنْهُ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئًا يَنْفَعُهُ أَوْ يُخَفِّفُ عَنْهُ مَا هُوَ فِيهِ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أَيْ: بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالرُّؤْيَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ وَرُسُلُنَا الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ قَبْضَهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لَا تُبْصِرُونَ أَيْ: لَا تُدْرِكُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِكُمْ بِأَنَّ اللَّهَ أَقْرَبُ إِلَى عَبْدِهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، أَوْ لَا تُبْصِرُونَ مَلَائِكَةَ الْمَوْتِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الْمَيِّتَ وَيَتَوَلَّوْنَ قَبْضَهُ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ- تَرْجِعُونَها يُقَالُ: دَانَ السُّلْطَانُ رَعِيَّتَهُ إِذَا سَاسَهُمْ وَاسْتَعْبَدَهُمْ. قَالَ الفراء: دنته ملكته، وأنشد للحطيئة:

لقد ديّنت أَمْرَ بَنِيكِ حَتَّى ... تَرَكْتِهِمْ أَدَقَّ مِنَ الطَّحِينِ

أَيْ: مَلَكْتِ، وَيُقَالُ دَانَهُ إِذَا أَذَلَّهُ وَاسْتَعْبَدَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَى مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ، وَقِيلَ: مَجْزِيِّينَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْعُدْوَا ... نِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا

وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَلْصَقُ بِمَعْنَى الْآيَةِ، أَيْ: فَهَلَّا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ وَمَمْلُوكِينَ تَرْجِعُونَهَا، أَيِ: النَّفْسَ الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ إِلَى مَقَرِّهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلَنْ تَرْجِعُوهَا، فَبَطَلَ زَعْمُكُمْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مَرْبُوبِينَ وَلَا مَمْلُوكِينَ، وَالْعَامِلُ فِي قَوْلِهِ: إذا بلغت هو قوله: ترجعونها، ولولا الثَّانِيَةُ تَأْكِيدٌ لِلْأُولَى. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَرُبَّمَا أَعَادَتِ الْعَرَبُ الْحَرْفَيْنِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ طَبَقَاتِ الْخَلْقِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ فَقَالَ:

فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ أَيِ: السَّابِقِينَ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ الْمُتَقَدِّمِ تَفْصِيلُ أَحْوَالِهِمْ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ قرأ الجمهور فَرَوْحٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَمَعْنَاهُ الرَّاحَةُ مِنَ الدُّنْيَا وَالِاسْتِرَاحَةُ من أحوالها. وقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت