فهرس الكتاب

الصفحة 2937 من 3584

وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ «نَاخِرَةً» وَاخْتَارَ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، وَاخْتَارَ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ الْفَرَّاءُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: النَّاخِرَةُ الَّتِي لَمْ تُنْخَرْ بَعْدُ، أَيْ: لَمْ تُبْلَ وَلَا بُدَّ أَنْ تُنْخَرَ. وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى، تَقُولُ الْعَرَبُ: نَخِرَ الشَّيْءُ فَهُوَ نَاخِرٌ وَنَخِرٌ، وَطَمِعَ فَهُوَ طَامِعٌ وَطَمِعٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ. قَالَ الْأَخْفَشُ: هُمَا جَمِيعًا لُغَتَانِ أَيُّهُمَا قَرَأْتَ فَحَسَنٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:

يَظَلُّ بِهَا الشَّيْخُ الَّذِي كَانَ بَادِنًا ... يَدُبُّ عَلَى عِوَجٍ لَهُ نَخِرَاتُ

يَعْنِي عَلَى قَوَائِمَ عِوَجٍ، وَقِيلَ: النَّاخِرَةُ الَّتِي أُكِلَتْ أَطْرَافُهَا وَبَقِيَتْ أَوْسَاطُهَا، وَالنَّخِرَةُ: الَّتِي فَسَدَتْ كُلُّهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ نَخِرَةً أَيْ: مَرْفُوتَةٌ، كَمَا فِي قوله: رُفاتًا «1» ، وقرئ إِذا كُنَّا وأَ إِذا كُنَّا بِالِاسْتِفْهَامِ وَبِعَدَمِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ قَوْلًا آخَرَ قَالُوهُ فَقَالَ: قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ أَيْ: رَجْعَةٌ ذَاتُ خُسْرَانٍ لِمَا يَقَعُ عَلَى أَصْحَابِهَا مِنَ الْخُسْرَانِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ رُدِدْنَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَنَخْسَرَنَّ بِمَا يُصِيبُنَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِمَّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ. وَقِيلَ: معنى خاسرة كاذبة، أي: ليست بِكَائِنَةٍ، كَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: خَاسِرَةٌ عَلَى مَنْ كَذَّبَ بِهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أَيْ لَئِنْ رجعنا بَعْدَ الْمَوْتِ لَنَخْسَرَنَّ بِالنَّارِ، وَإِنَّمَا قَالُوا هَذَا لِأَنَّهُمْ أُوعِدُوا بِالنَّارِ، وَالْكَرَّةُ: الرَّجْعَةُ، وَالْجَمْعُ كَرَّاتٌ.

وَقَوْلُهُ: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ تَعْلِيلٌ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِبْعَادِهِمْ لِبَعْثِ الْعِظَامِ النَّخِرَةِ وَإِحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ، وَالْمَعْنَى: لَا تَسْتَبْعِدُوا ذَلِكَ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَانَ ذَلِكَ الْإِحْيَاءُ وَالْبَعْثُ، وَالْمُرَادُ بِالزَّجْرَةِ الصَّيْحَةُ وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي يَكُونُ الْبَعْثُ بِهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الضمير في قوله: فَإِنَّما هِيَ رَاجِعٌ إِلَى الرَّادِفَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ أَيْ: فَإِذَا الْخَلَائِقُ الَّذِينَ قَدْ مَاتُوا وَدُفِنُوا أَحْيَاءً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْمُرَادُ بِالسَّاهِرَةِ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَظَاهِرُهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: سُمِّيَتْ بِهَذَا الِاسْمِ لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم، وقيل: لأن يَسْهَرُ فِي فَلَاتِهَا خَوْفًا مِنْهَا، فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ، ومنه قول أبي كبير الهذليّ:

يرتدن ساهرة كأنّ جميمها ... وعميمها أَسْدَافُ لَيْلٍ مُظْلِمِ «2»

وَقَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:

وَفِيهَا لَحْمُ سَاهِرَةٍ وَبَحْرٌ ... وَمَا فَاهُوا بِهِ لَهُمُ مُقِيمُ

يُرِيدُ لَحْمَ حَيَوَانِ أَرْضٍ سَاهِرَةٍ. قَالَ فِي الصِّحَاحِ: السَّاهِرَةُ: وَجْهُ الْأَرْضِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ. وَقَالَ: السَّاهِرَةُ: أَرْضٌ بَيْضَاءُ، وَقِيلَ: أَرْضٌ مِنْ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهَا، وَقِيلَ:

السَّاهِرَةُ: الْأَرْضُ السَّابِعَةُ يَأْتِي بِهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَيُحَاسِبُ عَلَيْهَا الخلائق. وقال سفيان الثوري: الساهرة: أرض

(1) . الإسراء: 49.

(2) . «الجميم» : النبت الّذي قد نبت وارتفع قليلا ولم يتم كل التمام. «العميم» : المكتمل التام من النبت. «الأسداف» :

جمع سدف، وهو ظلمة الليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت