فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17393 من 53113

وهذه المعاني قد صنفت فيها الكتب الكثيرة، وتكلف الناس من قبله في استنباط أمثال هذه الوجوه الغامضة والمعاني الخفية من القرآن العزيز، وإنه لم أتى بهذه اللفظة دون تلك؟ ولم قدم هذا وأخر هذا؟ وقد قيل في هذا الفن أقوال طويلة عريضة أكثرها بارد غث، ومنها ما يشهد العقل وقرائن الأحوال أنه مراد.

وقد ورد إلينا في مدينة السلام في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة رجل من وراء النهر كان يتعاطى هذا، ويحاول إظهار وجوه نظرية في هذه الأمور في جميع آيات الكتاب العزيز، نحو أن يقال في قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2] :

لم قال: {ما} ولم يقل (لا) ؟ ولم قال: {يأتيهم} ، ولم يقل: (يجيئهم) ؟

ولم قال: {من ذكر} ولم يقل (من كتاب) ؟ ولم قال: {من ربهم} ولم يقل:

(من إلههم) ؟ ولأي حال قال في موضع آخر {من الرحمن} ؟ [الشعراء: 5]

وما وجه المناسبة بين هذه الآية وسياقها؟ وبين لفظة {ربهم} (1) .

وعلى هذا القياس.

وكذلك كان يتكلف تعليل كل ما في القرآن من الحروف التي تسقط في موضع وتثبت في موضع، نحو قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ} [الملك: 19] وقوله:

{أو لم يروا إلى ما خلق الله} (2) [النحل: 48] لم أثبت الواو هناك، وأسقطها ها هنا، ونحو قوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} [النساء: 115]

وقوله:

(1) في البرهان للكرماني ص266كلام على هذه الجزئية الأخيرة، وهي ورود لفظ {ربهم} و {الرحمن} .

(2) هكذا جاءت الآية في الفلك الدائر، وسقط منها هناك حرف الواو (أولم) ، وبإثباته لا يتحقق المقصود، فلعل ابن أبي الحديد أراد الآية الأخرى في سورة النحل: {أولم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله} [79] .

{ومن يشاقق الله} [الحشر: 4] لم فكَّ الإدغام في موضع ولم يفكه في موضع آخر؟.

وكنا نعجب منه ونستظرفه (1) ، حتى وصل إلينا هذا الكتاب، فقلنا إنه فوق كل ذي علم عليم".اهـ."

أقول: يظهر لي أن المعني هنا أبوبكر النيسابوري، وإذا قيل: إن هذا يدخل في علم"متشابه القرآن"؟ أقول: إن السيوطي يقول عن المتشابه:"هذا النوع يتداخل مع نوع المناسبات (2) ".

على أنَّ قول أبي بكر النيسابوري:"لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه الآية "

يحتمل أنه يريد البحث في الألفاظ والمعاني، لا المعاني فقط.

ولا يعكر على هذا الاحتمال قول ابن أبي الحديد:"وهذه المعاني قد صنفت فيها الكتب الكثيرة "فلعله يخبر عن حال نفسه واطلاعه، والشهراباني يخبر عن حال نفسه واطلاعه هو ومن حوله من العلماء، ولعل ابن أبي الحديد بعد أن سمع كلام الوارد عليهم من وراء النهر تتبع من تكلم هذا من العلماء قبل هذا الوارد وعرف الجهود السابقة فيه. على أنَّ وجود مصنفات في هذا العلم لا يلزم منه علم علماء بغداد به، ويدل لهذا قول ابن أبي الحديد:"وكنا نعجب منه ونستظرفه".

ولنلحظ أن مصطلح المناسبة ورد في الشهراباني وابن أبي الحديد معًا، وقد يكون من المستبعد أن يكون كلامهما عن رجلين اثنين وردا بغداد مهتمين بهذا الجانب من علوم القرآن.

وعلى هذا فإذا صحَّ ما ظهر لي من أن كلام الشهراباني وابن أبي الحديد يتوارد على رجل واحد، فنكون قد استفدنا فائدتين:

(1) في"التبيان": نستطرفه. من الطارف وهو الجديد.

(2) الإتقان، النوع (63) 340/ 3، معترك الأقران 66/ 1، وانظر: التبيان للجزائري ص 300، والتناسب البياني في القرآن ص 37.

الأولى: تأكيد ما قاله الشهراباني عن غزارة علم النيسابوري في الشريعة و الأدب (1) .

الثانية: تاريخ دخوله بغداد وهو سنة (632هـ) .

وقد يقال إن نيسابور ليست من بلاد وراء النهر (2) ، وابن أبي الحديد يقول: إن الرجل ورد من وراء النهر؟ والجواب عن هذا سهل، وهو لأنه لا يلزم من نسبته إلى نيسابور أن يكون مقيمًا بها، كما لا يلزم من مجيئه من وراء النهر ألا يكون نيسابوريًاَ.

(1) يقول أبو البركات الأنباري (ت 577) في نزهة الألباء ص76 (ترجمة هشام بن الكلبي) :

"إن علوم الأدب ثمانية: النحو واللغة والتصريف والعروض والقوافي وصنعة الشعر وأخبار العرب وأنسابهم "ولابد لعلمي"تعليل المتشابه"و"المناسبات"من الضلاعة بعدد من هذه العلوم.

(2) انظر المقصود بـ"ما وراء النهر"معجم البلدان 45/ 5.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت