فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17093 من 53113

ـ [محمد بن إبراهيم الحمد] ــــــــ [27 Jun 2009, 05:14 م] ـ

السخاء خصلة إيمانية، وخلق عظيم فاضل، يقوم على الشعور بأن للمال قيمة تستدعي عَدَمَ الإسراف في إنفاقه، وأن للحياة الفاضلة مطالبَ يُبْذَل في سبيلها المال غير مأسوف عليه؛ فهو بذل ما ينبغي في الوجه الذي ينبغي الإنفاق فيه.

والسخاء يقوم على الرحمة، وقلة الحرص على جمع المال حرصًا يعمي ويصم؛ فلا غرو _إذًا_ أن يكون السخاء متصلًا بفضائل أخرى كالعفو، والحلم، والإنصاف، والتواضع.

فإذا اتصف المرء بالسخاء زكت نفسه، ولانت عريكته، وقاده سخاؤه إلى أن يترقى في المكارم، وأن يتنزه عن المساوئ والمعايب؛ فالسخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من كل خير وبر.

ولقد جرت سنة الله بأن السخي بحق يفوز بالحياة الطيبة، ولا تكون عاقبته إلا الرعاية من الله والكرامة؛ فالجزاء من جنس العمل.

ومما ينبغي أن يعلم أن السخاء ليس مقتصرًا على بذل المال فحسب، بل إن مفهومه أوسع، وصوره أعم وأشمل، فيدخل فيه السخاء بالعلم، والجاه، والنصح، والعفو، والتغاضي، والبشاشة، ونحو ذلك.

وليس المقام ههنا مقام بسط لتلك الصور (1) .

ثم إن الناس يتفاضلون بالسخاء على قدر هممهم، وإن من أرفع درجات السخاء أن يكون الرجل في حاجة مُلِحَّة إلى ما عنده، فيدع حاجته، ويصرف ما عنده في وجوه الخير، وذلك ما يسمى بالإيثار.

قال _تعالى_ في معرض الثناء على الأنصار _رضي اللَّه عنهم_: [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ] (الحشر: 9) .

وقال _تعالى_ في معرض الثناء على عباده المؤمنين: [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (9) ] (الإنسان) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"ثم أخبر عنهم بإطعام الطعام على محبتهم له، وذلك يدل على نفاسته عندهم، وحاجتهم إليه."

وما كان كذلك فالنفوس به أشح، والقلوب به أعلق، واليد له أمسك؛ فإذا بذلوه في هذه الحال فهم لما سواه من حقوق العباد أبذل"."

قال دعبل الخزاعي:

وليس الفتى المعطي على اليسر وحده ... ولكنه المعطي على العسر واليسر

وقال بعض الشعراء:

ليس جود الفتيان من فضل مال ... إنما الجود للمقل المواسي

وإن مما يحضرني في هذا الشأن قصةً غريبةً سمعتها من صاحبها مرارًا، وإليكموها معاشر القراء.

كان لنا جار اسمه عبدالله بن عبدالعزيز العبيدي، وقد أَدْرَكْتُه وهو كبير في السن، وقد توفي صباح السبت 25/ 8/1422هـ عن عمر يزيد على التسعين.

وكان -رحمه الله- رجلًا فاضلًا حكيمًا، حسن العشرة والحديث، عاش فترة من عمره في طلب الرزق في الكويت يعمل في البحر مع أصحاب له، ثم رجع إلى مسقط رأسه الزلفي.

وكان هذا الرجل ذا صلاح، وتَأَلُّه، ومُكْثٍ طويل في المسجد؛ فكان يمكث بعد صلاة العصر إلى المغرب أو العشاء، وإذا زاره أحد وحادثه انطلق معه بما يريد.

ولقد حدثني بحادثة حصلت له، وكان أول ما سمعتها منه عام 1410هـ، ثم طلبت منه إعادتها مرارًا.

وخلاصتها _كما يقول_: أنه في يوم من الأيام وقبل ما يزيد على أربعين سنة أُدْخِلَتِ الكهرباء إلى مدينة الزلفي، فذهبت إلى شركة الكهرباء، وقلت لهم: إنني أريد أن تصل الكهرباء إلى بيتي، فقالوا: إن قيمةَ إدخالِها مائتا ريال، فرجعت إلى منزلي، وأخذت المبلغ، وكان الوقت وقت صلاة الظهر، فقلت: أصلي، وبعد الصلاة أذهب إلى الشركة؛ لدفع المبلغ.

فلما فرغتُ من الصلاة التفتُّ وإذا بجانبي رجل كبير فقير أعرفه، وأعرف فقره ومسكنته، فقال لي: يا أبا سعود! والله إن الأولاد جياع في البيت، وإنهم لا يجدون ما يسد جوعتهم؛ فأشفقت عليه، وقلت في نفسي: أعطيه مائة، وأعطي الشركة المائة الأخرى، وباقي المبلغ الذي للشركة أعطيهم إياه فيما بعد، فأعطيته مائة، ففرح، ودعا لي، ثم خرجت من المسجد، وتحسست جيبي وإذا بي لا أجد المائة الأخرى، فأدركت أنني أعطيت الرجل المائتين على سبيل الخطأ، فصرت في حِيرة من أمري: هل أرجع إليه، وأقول: إنه لم يكن في نيتي إلا إعطاؤك مائة فحسب؛ فَرُدَّ لي مائة؟ أو أنصرف إلى بيتي، وأَدَعُ التقديم على شركة الكهرباء حتى تتيسر أموري؟

وبينما أنا في ذلك التردد قررت الرجوع إلى المنزل، وإيثار الرجل بالمائتين.

ولما رجعت إلى منزلي وجدت رجلًا في انتظاري عند باب المنزل، وصرت أنظر إليه، وأحاول التعرف عليه، فلما رآني مقبلًا تقدم إليَّ بحرارة، وشوق؛ فلما اقترب مني، وسمعت صوته عرفته؛ فهو صاحب لي أيامَ كنت أعمل في البحر في الكويت، وهو من التجار، ومن أهالي القصيم، ولم أرَه منذ خمس وعشرين سنة؛ فعانقته، وفرحت به، وألححت عليه بدخول المنزل؛ لتناول الغداء، فقال: أنا في عجلة من أمري، فقد مررت في الزلفي، فخطرتَ في بالي، فسألتُ عنك، فدلوني على بيتك، وجئت للسلام عليك، فحاولتُ معه؛ كي يتناول الغداء، فلم أفلح إلا بموافقته على تناول القهوة فحسب.

ولما همَّ بالانصراف ودَّعته، فأعطاني مظروفًا لم أنظر ما فيه إلا بعد أن غادر، فلما فتحته وجدت فيه هدية، وهي عبارة عن مبلغ ألفي ريال؛ ففرحت بها أيما فرح؛ لما وجدتُ من الخلف من الله، ثم سدَّدتُ قيمة دخول الكهرباء، وتمتعت بباقي المبلغ دهرًا طويلًا؛ إذ كان يعدل في ذلك الزمن الشيء الكثير.

وبعد أن قص علي القصة قلت له: يا أبا سعود، الحمد لله أنك أعطيته المائتين، ولم تعطه مائة، ولو أعطيته مائة لربما لم يأتك إلا ألف.

فضحك، وقال: الحمد لله، وفضل الله واسع؛ فله الفضل والمنة.

فهذه القصة ترينا شيئًا من فضل الله _عز وجل_ وأن الجزاء من جنس العمل، بل إن ما عند الله خير وأبقى، وأن ما يدفع من السوء قد يكون أعظم مما يأتي من الخير؛ فالعوض من الله أنواع كثيرة لا يعلمها إلا هو _عز وجل_.

(1) لقد يسر الله بيان ذلك بشيء من البسط في كتاب الهمة العالية للكاتب ص166_182.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت