فهرس الكتاب
وكان أشد الكتب هجومًا على القرآن والإسلام ما كتبه"لوودفيجومراش" (1612 - 1700) في كتاب"عالم النص القرآني", نشر في بادوا سنة (1698) , وهو كتاب في مجلدين من الحجم الكبير عنوان المجلد الأول"مقدمة في دحض القرآن", وقد نشر هذا الكتاب متفرقًا في أربعة أجزاء سنة (1961) , وفيه تناول مراش حياة محمد حسب المصادر العربية, وتناول المجلد الثاني النص العربي للقرآن مع ترجمة لاتينية وشرح النواحي الغامضة من النص ثم نقده وتفنيده, وكان مراش يعرف السريانية والعربية والعبرية.
ولقد كتب نللينو دراسة حول مصادر المخطوطات العربية التي قام عليها عمل لودوفيجو مراش حول القرآن, ويمكننا القول أن عمل مراش هذا كان الأساس ونقطة الانطلاق للدراسات الجادة في أوروبا عن القرآن, وهو عمل حافل بالأخطاء والمجادلات الساذجة واللامعقولة, وللأسف تكررت نفس هذه الأخطاء وهذه التجاوزات في كل الدراسات المتصلة بالقرآن, والتي قام بها المستشرقون الأوروبيون خلال القرنيين التاليين لظهور كتاب مراش.
حقًا فإنه بداية من منتصف القرن التاسع عشر يبذل هؤلاء المستشرقون كل ما في وسعهم ليبدوا موضوعيين في كتاباتهم, وفي جعل كتاباتهم أكثر دلالة, وأكثر جدِّية وموضوعية, وأكثر تدقيقًا في المنهج اللغوي, لكن دون فائدة, ذلك لأن الدوافع الداخلية تضطرم بالحقد في قلوبهم ضد الإسلام وكتاب الإسلام المقدس ونبي الإسلام ظلت كما هي بل ازدادت تأججًا.
وبرغم أن هؤلاء الكتاب قد توفرت لهم أدوات فهم اللغات منذ بداية القرن الأخير حتى يومنا هذا, إضافة إلى توافر نشر المخطوطات, إلا أنهم أصرو على تقديم نظرياتهم الخاطئة, من خلال تصوراتهم الزائفة للقضايا الوهمية التي طرحوها حول القرآن وطرحوا نتائج زائفة توصلوا إليها.
ومن أجل ذلك تصدينا في كتابنا هذا لفضح هذه الجرأة الجهولة الحمقاء عند هؤلاء المستشرقين حول القرآن, ونبدأ بتسجيل بعض الملاحظات العامة:
1 -إن معرفة هؤلاء المستشرقين للغة العربية من الناحية الأدبية أو الفنية يشوبها الضعف, ويمكن القول أن هذه الملاحظة تخصهم جميعًا تقريبًا.
2 -إن معلوماتهم جميعًا مستقاة من مصادر عربية جزئية ناقصة وضحلة وغير كافية, وهم يرمون بأنفسهم في مغامرة طرح فرضيات خطيرة وخاطئة يعتقدون أنهم أول من توصل إليها, دون تكليف أنفسهم عناء التقصي لدى تلك المصادر عن نفس المعضلات التي يثيرونها, إذ تطرق الكُتَّاب المسلمون في حقيقة الأمر لهذه الفرضيات واعترضوا عليها.
3 -إن ما يحرك بعض المستشرقين دافع الضغينة والحقد على الإسلام, مما يفقدهم الموضوعية, ويعمي بصيرتهم بطريقة أو بأخرى, وهذا ينطبق خاصَّةً على هيرشفيلد ( Hirschfeld) , هوروفيتز, سبير.
4 -لقد ذهب بعضٌ من السطحيين إلى الإعلان بأعلى صوته أن في القرآن انتحال وتقليد وسرقة, معتمدين على تشابه لا أساس له, وهذا ما قام به مستشرقون مثل: جولدتسيهر - شفالي - مرجوليوث - ونتحفظ نوعًا ما فيما يتعلق بنولدكة, الذي يتبرأ نوعًا ما من مؤلفه"تاريخ القرآن"عندما رفض إعادة طبعه, تاركًا المستشرق شفالي يقوم بهذه المهمة, فطبع الكتاب ثانية وأصبح يعرف بكتاب نولدكه - شفالي.
5 -لقد كان بعضًا من هؤلاء المستشرقين مدفوعًا بالتبشير والتعصب المتحفز, مثلما هو الأمر بالنسبة للمستشرق وليم موير ( William Muir) وزويمر ( Zwemer) .
ولن نعالج بطبيعة الحال في هذا الكتاب كل القضايا التي أثارها المستشرقون بصدد القرآن, فلم نتطرق إلا لتلك القضايا التي بدت لنا أكثر أهمية, كما حصرنا بحثنا في الفترة ما بين منتصف القرن التاسع إلى منتصف القرن العشرين.
ومنهجنا في بحثنا هذا هو المنهج الوثائقي والموضوعي الواضح, وهدفنا كشف القناع عن العلماء المزعومين الذين قدموا الضلال والخداع لشعب أوروبا, ولغيره من الشعوب الأخرى.
لكننا في نفس الوقت نؤكد أن القرآن يخرج دائمًا منتصرًا على منتقديه.
د/ عبد الرحمن بدوي
= امتاز الكتاب بسهولة أسلوبه, وحسن ترتيبه في عرضه, ولا غرو فمؤلفه رأس فلاسفة عصره, وهو من قد عرف الغرب عين يقين, وعاش بينهم عددَ سنين, وشرب من كأس حياتهم حتى ارتوى, فلفظ منها شيئًا كثيرًا ندم عليه في أواخر حياته. ثم هو أيضًا من أعرف الناس بمؤلفات الغرب عمومًا والمستشرقين منهم خصوصًا, وقد عاصرَ ولقي جيلًا كثيرًا منهم, فحديثه عنهم حديث الشاهد العارف.
= يلاحظ على الكتاب ضعفٌ في توجيه بعض الردود, وعدم الإلمامٍ بالسنة والاستفادة منها إلا ما ندر, والكتاب مترجم فلذا يضعف أسلوبه عند النقل عن بعض السابقين- كالطبري مثلًا-, وللمؤلف مواقف خاصة من بعض القضايا الشرعية والعلمية لا يوافق عليها- كموقفه من الشعر الجاهلي-.
ويعتذر للمؤلف في بعض ذلك لعدم تخصصه, ولأن كتابه موجه بالدرجة الأولى للغرب وبلسانهم وطريقة تفكيرهم, فاجتهد لذلك في استيعاب الردود من كتبهم وبما لا يخرج عن القرآن في الغالب, وهو جهدٌ مشكور, من رجل متمكنٍ في هذا الجانب غفر الله له.
= أخيرًا:
ينبغي الاستفادة من هذا الكتاب في إبطال تلك المفتريات الثلاثة عشر التي تعرض لها ونحوها, وكذلك نشر مقدمة مؤلفه الوصفية ليستفيد منها كل كاتب عن شبهات المنتقدين في القرآن.
وفق الله الجميع, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(يُتْبَعُ)