فهرس الكتاب

الصفحة 2258 من 8348

أمَّا عن"التشنُّج"، فلم أستشعره لا عضويا ولا نفسيا .. اللهم إلا إذا كان لدى الأخ الكريم جهاز"سكانر"حديث، يشخص الأعراض عن بُعد؛ فإنني سأكون له"شاكرًا" (وسيكون"محمودا") إذا هو تمكن من أن يكشف لي عن أسباب الحموضة التي"تنتابني"من حين لآخر. وتذكر عبارة"تنتابني"هذه، فإن لها علاقة وثيقة بما نحن بصدد الحديث عنه. (وفي هذا المقام أجدني مضطرا إلى التصريح بأنني أمزح، حتى لا أُفهَم خطأً!)

وأما"التهويل"، فأرجو أن يتضح للأخ فيما بعد أنني لست من عصبة المهوِّلين.

4_ ذكر الأخ الفاضل أبو محمد العمري شيئا من فضائل الشيخ في دنيا التحقيق والكتابة. وكاتب هذه السطور لم يتنكّر لذلك، ولا نفاه، ولا حقّر من قيمته. ومع ذلك، أراني ملزَمًا أن أقول له: إنّ العبرة ليست بالكثرة، أو التكثُّر، أو التكاثر؛ بل بالجودة والإتقان. وكاتب هذه السطور لم يحكم على الشيخ بأنه لم يُتقن في كل ما كتب، وأنّى له ذلك، فإنتاج محققنا غزير؛ بل إلى خطأين في كتاب بعينه، ورآههما فادحين، واعتبرهما ينسفان مصداقية التحقيق من الأساس. أمّا ما سوى ذلك، فزاد الله الشيخَ مِن فضله، وقيّض له تلاميذ بمثل كفاءته أو يزيدون، ينشرون فضائله ويقررون مناقبه.

5_ لمست في كلام الأخ"الرابية"صدقا في المنافحة عن الشيخ، ودعوة إلى النصيحة. وهنا لا بد من توضيح مسألة أراها بالغة الأهمية. السجال الفكري غير الجدل المذموم بين الناس. ويفترض في النقد أن يتسم بالموضوعية، وأن يركز على المنتَج بدل المنتِج. وطالَما التزم هذا الضابط (وملازمة الضباط في زماننا منجاة في نظر البعض) ، خرج عن دائرة القدح والتشهير؛ لأنه يتسامى عن التشخيص، لتمسكه بالتسديد الذي يراه صاحبه، ولو تبيّن أن هذا الأخير مخطئ فيما ذهب إليه. فإذا اتضح لي مثلا أن سائق حافلة عمومية غير ماهر في قيادته، أو أنه ماهر لكنه لا يعرف الطريق الرابطة بين دمشق وحلب، فأعلمت الركاب بذلك وحذَّرتهم؛ هل أكون آثما؟ أم سيغدو ذلك من واجباتي؟ قِس هذا على ذاك يتضح لك المراد.

ثم إن تاريخنا الفكري مليء بكتب الردود والردود على الردود، ولم نر العلماء تأففوا من ذلك ولا أدانوه. بل كان ذلك من علامات الحيوية والصحَّة في نشاطهم الفكري، حتى إن أحد المستشرقين نبَّه إلى ذلك في الطبعة الجديدة من"دائرة المعارف الإسلامية"واعتبره فنًّا قائما بذاته يكاد يميِّز بثرائه وإيجابيته الأمّةَ الإسلامية عن غيرها!

فلْنُعِد الأمور إلى نصابها، ولْنترك العواطف جانبا، ولْيكن ديدننا الأساس هو الإنصاف؛ نقول للمحسن:"أحسنت!"، وللمسيء:"أسأت!"فلا خير فينا إذا لم نقلها، ولا خير فيهم إذا لم يسمعوها منّا ...

6_ أجمعتم على اعتبار الخطإ الذي نبهت إليه خطأ"واحد"و"يسير"و"بسيط"و"سهو"، ناتج"عن ذهول أو غفلة"،"لا يعرو عن مثله بشر". وهنا لا بد من"تشجير"التوضيح وعرضه ضمن عدة فروع:

أ_ أبشع الأخطاء هي تلك التي ترتكب في ديباجة أي عمل فكري، سواء كان إبداعًا أو تحقيقًا. فالديباجة وجه الكتاب وفاتحة الشهية لقراءته. وإذا لم يعتن بها صاحبها كما يليق، فذلك يعني أن عنايته بالكتاب كانت أقل. وأخطاء المقدمات في التحقيق أبشع، لأن المقترض في المحقق أنه مؤتمن على المخطوط الذي نقله إلى القارئ. فإذا لاحظ هذا الأخير خطأ في قراءة المخطوط منذ الصفحات الأولى، اهتزت الثقة. وعندئذ يجد القارئ نفسه بين ثلاث خيارات: إمّا أن يضع الكتاب جانبا ويرتاح، وإمّا أن يتجاهل ما اكتشفه و"يطنِّش"ويعتمد على الكتاب دون"وجع دماغ"، وإمّا أن يقرأه بعين ناقدة غير واثقة من فهم وضبط محققه. ولكل منّا الخيار بين هذه الأصناف الثلاثة. لكن اعذروني إذا كنت انجذبت إلى الخيار الصعب.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت