ففي هذا تصريح بأنّ «العون» ليس لأبي الطيب، ونصيبه فيه من التأليف الإعانة فقط، ويعكِّر على هذا ما جاء عقيب النقل الأول الذي وقع فيه التصريح بباعث تأليفه للكتاب، قال: «وأما إسناد هذا الكتاب المبارك مني إلى المؤلف الإمام المتقن (يريد: أبا داود) ، فمذكور في «غاية المقصود شرح سنن أبي داود» لا نعيد الكلام بذكره. . .»، و «غاية المقصود» لأبي الطيب من غير خلاف، وهذا النقل يشعر أنه مؤلف «العون» -أيضًا-.
وهذا يقودنا إلى جمع العبارات الواردة في الكتاب التي على هذا النحو، وفحصها، والنظر فيها، فلعلها تسعف في تحديد المؤلف على وجه اليقين، وقمت بذلك، ولم أظفر بطائل، إذ في بعض هذه العبارات ما يقوّي أن يكون المؤلف أبا الطيب شمس الحق إلى درجة القطع! وفي بعضها الآخر ما يقوّي أن يكون شقيقه أبا عبدالرحمن شرف الحق محمد أشرف، إلى درجة القطع -أيضًا-! وأسوق لك -أخي القارئ- بعضًا من هذا، وبعضًا من ذاك.
* عبارات في الكتاب تؤكد أن المؤلف: أبا عبدالرحمن شرف الحق محمد أشرف، وليس أبي الطيب شمس الحق:
أولًا: جاء على صفحة عنوان (المجلد الأول) من الكتاب: «نحمد الله العزيز المسجود (4) على ما وفّقنا لطبع الكتاب المحمود، الذي حشاه العالم الفاضل المودود، الشهير بمحمد أشرف الذي هو في عبادة ربّه ركوع سجود» !
ثانيًا: جاء في (خاتمة) هذا المجلد: «قال العبد الضعيف: نحمد الله ونشكره على أن وفقني لإتمام (الجزء الأول) من «عون المعبود على سنن أبي داود» المنتقى والملخّص من «غاية المقصود» ، وهذا آخر كتاب (الصلاة) ، ويتلوه -إن شاء الله تعالى- (الجزء الثاني) منه، وأوّله كتاب (الزكاة) ، اللهمّ تقبّله منّي، واغفر لي ولوالديَّ، ولأخي أبي الطيب الذي أعانني على إتمام هذا الكتاب، وترحم عليهم، وصلّى الله -تعالى- على خير خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين» (5) .
ثالثًا: جاء في خاتمة (المجلد الثاني) ما نصّه: «قال العبد الفقير محمد أشرف: وجد في بعض نسخ المتن بعد حديث أبي سعيد. . .» إلى قوله: «وإنّا نحمد الله ونشكره على إتمام (الجزء الثاني) من «عون المعبود على سنن أبي داود» ونعوذ بالله من طغيان القلم وزلَّته وما {أُبرّئ نفسي إنَّ النفس لأمّارة بالسُّوء} [يوسف:53] ، اللهم اغفر لي ولوالديّ، ولأخي أبي الطيب محمد الذي أعانني على إتمام هذا الجزء، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، آمين» (6) .
فهذه العبارات فيها التصريح بأنّ المؤلف هو الشيخ محمد أشرف، وأعانه على ذلك شقيقه أبو الطيب، وفَهِم هذا -قديمًا وحديثًا- غير واحد، وإليك ما وقفت عليه من ذلك:
قال بَلَديُّ المصنف الشيخ أحمد السهارنفوري في «بذل المجهود في حل أبي داود» (1/ 39) مقارنًا بين «غاية المقصود» و «عون المعبود» مصرحًا بأن الأول لأبي الطيب والثاني لمحمد أشرف: «كثيرًا ما كان يختلج في صدري أن يكون على «سنن أبي داود» شرح يحل مغلقاته، ويكشف معضلاته ويذلل صعابه، ويسهل مشكلاته، ولكني كنت أحقر نفسي أن أتحمل هذا الحمل الثقيل، وأكون في هذا المضيق دخيلًا، حتى رأيت جزءًا واحدًا من الشرح الذي ألّفه الشيخ أبو الطيب شمس الحق المسمّى بـ «غاية المقصود» فوجدته لكشف مكنوزاته كافلًا، وبجمع مخزوناته حافلًا، فلله درّه، قد بذل فيه وسعه، وسعى سعيه، إلا أنه في بعض المواضع أخذته الحدّة، فاستطال على مكانة إمام الأئمة أبي حنيفة النعمان (7) ، عليه سجال الرحمة والغفران، ومع هذا فلم يشع منه إلا هذا (الجزء الأول) ، والأجزاء الباقية كأنها سالت بها البطاح، أو طارت بها أدراج الرياح».
ثم رأيت «عون المعبود» للشيخ محمد أشرف كان مختصر «غاية المقصود» فلم يقع في القلب موقعه، ولم يبلغ مبلغه، وهذا الشرح قاصرًا عن أن يُسمّى شرحًا، مع أنّ مؤلفه تقلّد «غاية المقصود» في الحدة، واختصر شرحه فوقع فيه ما وقع من الخلل والخطل، والله يتجاوز عنا وعنه».
قال أبو عبيدة: وقع في كلام الشيخ السهارنفوري -رحمه الله تعالى- تجاوزاتٍ ومجازفات (8) وزلات، فدعواه أنّ المصنف استطال على الإمام أبي حنيفة دعوى ليست بصحيحة، وكلمة (استطالة) غير مليحة، وهذا الصنيع ليس من صنيع المحققين البارعين أصحاب التقريرات الرجيحة!
(يُتْبَعُ)