فهرس الكتاب

الصفحة 3596 من 8348

أن أول واضع لعلم النقد في التاريخ هو الفيلسوف الاجتماعي الأكبر عبد الرحمن ابن خلدون رحمه الله وهو الذي كان أول المنبهين على أغاليط المؤرخين والمنددين بمبالغاتهم لاسيما في ذكر الكميات والأعداد وهو الذي قال أنهم نقلوا المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد.

وقال أيضًا وقد نجد الكافة من أهل العصر إذا أفاضوا في الحديث عن عساكر الدول التي لعهدهم أو قريبًا منه وتفاوضوا في الأخبار عن جيوش المسلمين أو النصارى أو أخذوا في إحصاء أموال الجبايات وخراج السلطان ونفقات المترفين وبضائع الأغنياء الموسرين توغلوا في العدد وتجاوزا حدود العوائد وطاعوا أوساس الأغراب فإذا استكشفت أصحاب الدواوين عن عساكرهم واستنبطت أحوال أهل الثروة في بضائعهم وفوائدهم واستجلبت عوائد المترفين في نفقاتهم لم تجد معشار ما يعدونه وما ذلك إلا لولع الأنفس بالغرائب وسهولة التجاوز على اللسان والغفلة على المتعقب والمنتقد حتى لا يحاسب نفسه على خطأ ولا عمد ولا يطالها في الخبر بتوسط ولا عدالة ولا يرجعها إلى بحث وتفتيش فيرسل عنانه إلى آخره.

وإني أرى ابن الخطيب صاحب تاريخ بغداد غير ناقل ما نقله على سبيل تصديقه لأنه قد سبق له ذكر الأحاديث النبوية التي رواها الرووان عن بناء بغداد ثم عن خرابها من قبيل: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل والصراة وقطربل يجتمع فيها خزائن الأرض يخسف بها فهي أسرع ذهابًا في الأرض من الحديد أو الحديدة في الأرض الخوارة أو: يكون خسف بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة بأمراء جبابرة يخسف الله بهم الأرض ولهي أسرع بهم هوياًّ من الوتد اليابس في الأرض الرطبة وغير ذلك من الأحاديث التي أملى فيها بضع عشرة صفحة مستقصيًا أسانيدها وأنهى الأمر بتضعيف هذه الأحاديث وأحيانًا تكذيب رواتها وبنقل كلام الأئمة الذين قالوا أنها من الموضوعات.

أما من جهة عدد الحمامات والمساجد فكأن المؤلف لشدة إعجابه ببلدته لم يشأ أن يتحاشى نقل هذه المبالغات وإنما نقل بجانبها أخبار لم تبلغ هذه الدرجة من المبالغة وأخرى معتدلة ومقولة وترك التمييز للقارئ ويا ليته اقتصر على المعقول فكان انصح للكتاب وأحدى على الثقة به.

حدث فقال نقلًا عن هلال ابن المحسن قال: كنت يومًا بحضرة جدي أبي اسحق إبراهيم بن هلال الصأبي في سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة إذ دخل عليه أحد التجار الذين كانوا يغشونه ويخدمونه فقال له في عرض حديث حدثه به: قال لي أحد التجار أن ببغداد اليوم ثلاثة آلاف حمام. فقال له جدي: هذا سدس ما كنا عددناه وحصرناه. فقال له: كيف ذاك. فقال جدي أذكر وقد كتب ركن الدولة أبو الحسن بن بويه إلى الوزير أبي محمد المهلبي بما قال فيه: ذكر لنا كثرة المساجد والحمامات ببغداد واختلفت علنا فيها الأقاويل واحببنا أن نعرفها على حقيقة وتحصيل فتعرفنا الصحيح من ذلك. قال جدي: وأعطاني أبو محمد الكتاب وقال لي: امض إلى الأمير معز الدولة فاعرضه عليه واستأذنه فيه ففعلت. فقال له الأمير: إستعلم ذلك وعرفنيه. فتقدم أبو محمد المهلبي إلى أبي الحسن البادرجي - وهو صاحب المعونة - يعد المساجد والحمامات، قال جدي: فأما المساجد فلا أذكر ما قيل فيها كثرة، وأما الحمامات فكانت بضعة عشر ألف حمام. وعدت إلى معز الدولة وعرفته ذلك فقال اكتبوا في الحمامات بأنها أربعة آلاف. واستدللنا من قوله على إشفاقه وحسده إياه على بلد هذا عظمه وكبره. وأخذ أبو محمد وأخذنا نتعجب من كون الحمامات هذا القدر. وقد أحصيت في أيام المقتدر الله فكانت سبعة وعشرين ألف حمام. وليس بين الوقتين من التباعد ما يقضي هذا التفاوت. قال هلال: وقيل أنها كانت في أيام عضد الدولة خمسة آلاف حمام وكسرًا.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت