قلت أما زمان المقتدر فكان في عهد الثلثمائة بعد الهجرة فما بعد. وأما زمان عضد الدولة ين بويه فبدأ في بغداد سنة سبع وستين أو سبعين سنة. فيكون من العجب العجاب أنه في حقبة كهذه ينزل عدد الحمامات من سبعة وعشرين ألفًا إلى خمسة ألاف! ولا أزال أظن أن في قولهم كانت الحمامات في بغداد أيام المقتدر سبعة وعشرين ألف حمام مبالغة عظيمة. وكذلك عندي دليل آخر أقرب إلى العقل من هذا على وجود المبالغة في الخبر وهو قولهم أن الحمامات كانت في أيام الأمير معز الدولة بن بويه والوزير أبي محمد المهلبي بضعة عشر ألف حمام ثم قولهم أنها كانت في أيام عضد الدولة خمسة آلاف حمام وكسرًا. فإن زمان سيف الدولة هو زمان الخليفة المطيع لله. وكانت وفاة معز الدولة سنة ست وخمسين وثلثمائة. وكانت وفاة عضد الدولة سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة أي بين العهدين لا يوجد أكثر من ست عشرة سنة. فكيف يمكن في مدة قصيرة كهذه أن يتقلص العمران كل هذا التقلص ويتساقط عدد الحمامات من بضعة عشر ألفًا إلى خمسة آلاف وكسر؟ والأرجح عندي أن الحمامات كانت من أربعة إلى خمسة ألاف في العهدين. وليس بهذا عدد قليل لأننا لو جعلنا كل حمام لمائتي بيت كان مجموع البيوت مليون بيت. فإذا جعلنا كل بيت خمس أنفس كان مجموع سكان بغداد خمسة ملايين وهو أقصى ما يتصور لعدد سكان بغداد. وإن قلنا أنهم من شدة ولعهم بالاستحمام وانغماسهم في الترف كان الحمام الواحد لا يكفي إلا لمائة بيت وجب أن يكون في بغداد نصف مليون بيت أي مليونان ونصف مليون نسمة وهذا قريب للعقل أيضًا.
ومما ذكر ابن الخطيب في تاريخ بغداد استدلالا على استبحار العمران فيها قوله: حدثني القاضي أبو القاسم التنوجي قال: أنبأنا أبو الحسن محمد بن صالح الهاشمي في سنة ستين وثلثمائة قال: أخبرني رجل يبيع سويق الحمص منفردًا به وأسماه لي ونسيته: أنه حصر ما يعمل في سوقه من هذا السويق كل سنة فكان مائة وأربعين كراًّ يكون حمصًا مائتين وثمانين كراًّ يخرج في كل سنة حتى لا يبقى منه شيء ويستأنف عمل ذلك للسنة الأخرى.
قال: وسويق الحمص غير طيب وإنما يأكله المتحملون والضعفاء شهرين أو ثلاثة عند عدم الفواكه ومن لا يأكله من الناس أكثر. قال الشيخ أبو بكراي المؤرخ: لو طلب من هذا السويق اليوم في جانبي بغداد مكوك واحد ما وجد، انتهى.
فلنمتحن هذا الخبر فنقول: أن الكر على إحدى الروايات ستة عشرة قنطارًا بالشامي فإذا كان مئتان وثمانون كرا كان مبلغها أربعة آلاف وأربعمائة وثمانين قنطارًا، فهذا ليس بشيء لمثل بغداد يقال أن فيها بضعة عشر ألف حمام بالأقل. ثم رأيت أن الكر ست أوقار حمار، وعليه يكون أقل من ستة عشر قنطارًا بالشامي إذا القنطار ما نعرفه اليوم. والأرجح عندي أن الكر هو ما ورد في تاج العروس أنه عند أهل العراق ستون قفيزًا والقفيز ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف فيكون الكر سبعمائة وعشرين صاعًا. على أنه جاء في التاج نقلًا عن الأزهري قال أن الكر اثنا عشر وشقًا كل وسق ستون صاعًا أو أربعون أردبًا بحساب أهل مصر. فإذا كان الكر 480 أردبًا فيكون مايتان وثمانون كرًّا عبارة عن ماية وعشرين ألف أردب وأربعمائة أردب وليس هذا بشيء يستبعده العقل على حاضرة الإسلام الكبرى. على أن في تاريخ بغداد للشيخ أبي بكر الخطيب فوائد كثيرة وأدلة واضحة على ما كانت عليه من التناهي في العمران، أهم ذلك ما رأيته من وصف الاستقبال الذي جرى لرسول ملك الروم في أيام المقتدر بالله مما يلزم أن يفرد بمقالة خاصة. وربما تترجم هذا الفصل لمجلتنا (لاناسيون آراب) كما فعلنا في وصف قرطبة ونقلت ذلك عنا جرائد أوربية خطيرة.
ومن الفوائد التي عثرت عليها في تاريخ بغداد للحافظ ابن الخطيب أنه في ترجمة أبي أيوب الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه نقل رواية وهي أن شيخًا من أهل فلسطين كان في القسطنطينية فرأى بنية بيضاء دون حائط القسطنطينية فقالوا: هذا قبر أبي أيوب الأنصاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم. قال هذا الشيخ: فأتيت تلك البنية فرأيت قبره في تلك البنية وعليه قنديل معلق بسلسة. فظهر من هنا أن قبر أبي أيوب رحمه الله لم يكن درس القرون الأولى من الهجرة، وأنه أن كان قد درس فيكون فيما بعد. فأن الأتراك يقولون أنهم لما فتحوا القسطنطينية كان قبر أبي أيوب دارسًا وأنه إنما كشفه الشيخ آق
(يُتْبَعُ)