فهرس الكتاب

الصفحة 3734 من 8348

كفله والده ليعوضه حنان الأم، وعند رجوعه إلى دمشق من رحلة الحج ألحقه والده وهو في السابعة بمدرسة الترقي النموذجيّة، وحصل منها على شهادة إتمام المرحلة الابتدائيّة بدرجة جيد جدًا، ثمّ التحق بمدرسة مكتب عنبر، وبعد سنة توفي والده.

نشأته وطلبه للعلم:

رأت أسرته أن يترك المدرسة، فتركها ولازم العلماء، وكان في هذه الفترة الشيخ طاهر الجزائري مشرفًا على المكتبات والمدارس في بلاد الشام غائبًا عن دمشق، فلمّا عاد -وكانت بينه وبين أبي الفتح الخطيب صلة ومودة وإخاء-، فلمّا علم بموت والد محب الدين احتواه، وعطف عليه، ووجهه نحو العلم لينهل منه، ويتضلّع من مشاربه، وغرس فيه:

1 -حب قراءة التراث العربي الإسلامي.

2 -بث فيه حب الدعوة إلى الله.

3 -حرّضه على إيقاظ العرب ليقووا على حمل رسالة الإسلام، فهم مادة الإسلام.

ولذلك كان يقول العلامة محب الدين الخطيب: «من هذا الشيخ عرفت إسلامي وعروبتي» .

وسعى شيخه الجزائري ليخلف محب الدين أباه في دار الكتب الظاهريّة على أن ينوب عنه من يقوم بها حتى يبلغ سن الرشد، وفي فترة الانتظار كان:

1 -ينتقي لتلميذه محب الدين الخطيب مخطوطات من تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية وأضرابه فيكلّفه بنسخها.

وانتفع محب الدين بهذا العمل من ناحيتين:

أ- توسعت ثقافته العلميّة، وترسخ في العلم وبخاصّة انتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته السلفيّة، فاستفاد بذلك اطلاعًا على الإسلام المصفّى من البدع والخرافات والأوهام.

ب- أشغل وقته وانتفع بأجرة النسخ.

2 -وجه الشيخ الجزائري تلميذه للالتحاق مرة ثانية بمكتب عنبر.

3 -أوصاه بالتردد على العلماء: أحمد النويلاتي، وجمال الدين القاسمي، ومحمد علي مسلم، حيث كانت لهم غرف في مدرسة عبدالله باشا العظم في هذه الفترة المبكرة تفتحت آفاق التفكير العلمي عند محب الدين الخطيب، وانتفع بما تلقاه في المدرسة من علوم كونيّة، وأضاف إليها مطالعاته المتواصلة في دار الكتب الظاهريّة، واطلاعه على المجلات الكبرى في عصره: المقتطف، الهلال، الضياء.

وفي هذه الفترة كان يبث أفكار شيخه الجزائري، ويكتب المقالات العلميّة والقطع الأدبيّة التي يعربها من التركيّة، ويرسل بها إلى صحيفة «ثمرات الزمان» في بيروت.

رحلاته العلميّة والدعويّة:

بعد أن أنهى الخطيب دراسته الثانويّة عام (1906م) في بيروت، انتقل إلى عاصمة الخلافة: «إسلامبول» المعروفة يومئذٍ بـ «الأستانة» ، وهي «القسطنطينيّة» والتحق بكليتي الآداب والحقوق.

نزل هناك في حي يكثر فيه أبناء العرب وطلاب العلم، ورأى هناك أمرًا عجبًا: الطلاب العرب يجهلون قواعد لغتهم، وإملاءها، وآدابها، ويتكلّمون بينهم برطانة الترك، فانتخب الشيخ محب الدين الخطيب من الشباب العرب طائفة أقنعها بوجوب تعلّم لسان العرب، واتفق مع صديقه الأمير عارف الشهابي أن يقوما على تعليم هؤلاء الشباب العرب لغتهم، وبعد فترة أسسوا «جمعية النهضة العربيّة» ، وكان صديقه العلامة الأستاذ محمد كرد علي يرسل إليهم الصحف بالبريد.

شعر الأتراك الاتحاديّون الذين انقلبوا على الخلافة العثمانيّة بكيد من يهود الدونمة، وأبقوا للخليفة الاسم ولهم الرسم، شعروا بنشاط «جمعيّة النهضة العربيّة» فداهموا غرفة الشيخ محب الدين الخطيب، ووجدوا فيها أوراقًا وصحفًا عربيّة، وكاد الشيخ أن يهلك لولا أنّ الله قيّض له رجلًا كانت تربطه بأسرته روابط قويّة.

اشتدت الرقابة الاتحاديّة على الشيخ فغادر (الأستانة) بعد الانتهاء من السنة الثالثة إلى دمشق.

اختير الشيخ للعمل في اليمن وانتقل إليها، ومرّ أثناء ذلك بمصر حيث التقى بشيخه طاهر الجزائري وصديقه محمد كرد علي، واتصل -أيضًا- بأعلام الفكر والأدب.

ولمّا وصل إلى اليمن اتصل بشوقي مؤيد العظم قائد الحديدة: الفرقة الرابعة عشر في الجيش العثماني.

لمّا أعلن الدستور العثماني سنة (1908م) رجع إلى دمشق، وأصبح يطالب معه إخوانه هناك بحقوق العرب التي تنكرت لها حركة التتريك، وفي هذه الرحلة شارك في تحرير جريدة هزلية «كار الخرج» ، فانتبهت السلطات الحكوميّة للجريدة، فسافر الشيخ إلى بيروت، فأمرت الحكومة بملاحقته، فانتقل إلى القاهرة وهناك شارك في جريدة «المؤيد» ، وفي سنة (1913م) أسس الشيخ محمد رشيد رضا مدرسة الدعوة والإرشاد فدرس فيها الشيخ محب الدين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت