فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وسكوت الإمام الرازي يحتمل غير ما قرره جامع العلوم من"إعراب (من) بدلًا وأن إعرابها مبتدأ يقتضي أن لا خبر له، بل هو يدل على أنه يختار غيره كإعراب الأخفش إذ يعرب (من) مبتدأ وخبره محذوف دل عليه (فعليهم غضب) ، وهو الأولي لدلالة السباق والسياق قال"فأخبر عنهم بخبر الواحد إذ كان ذلك يدل على المعنى، جعل (فعليهم) خبرًا لقوله (ولكن من شرح) ثم دخل معه (من كفر) ، فما قبله في الكافرين الذين يفترون على الله الكذب لا في من ارتد فكفر بعد إيمان، ولا من ارتد في الظاهر مكرهًا.
ومنه قوله"وظن الرازي أن (إنا) مفعول (يعلم) "في قوله تعالى (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) (يس 16) إذ جعل الباقولي مفعوله محذوفًا والتقدير ربنا يعلم لم بعثنا إليكم، وجملة (إنا إليكم) مستأنفة تحقيقًا للمعني الذي ذكروه، فالوقف عنده يدل على الحذف، غير أن إعراب الجملة سادة مسد مفعولي (يعلم) سائغ، وللرازي أن يقول به، وأغرب مما مضي حكمه أن من لم يقرأ حجة أبي على لا يجوز له أن يتكلم في علم الوقف، فذكر في قوله تعالى (وكفي بالله نصيرًا من الذين هادوا يحرفون ... ) (النساء 45/ 46) : أن من علق (من الذين هادوا) بـ (نصيرًا) وهو قول أبي على لم يقف على (نصيرًا) ثم قال:"ولم يكن هذا للرازي وقد ذكره في الحجة، فما ظنك بمن لم يقرأ الحجة ويشرع في هذا العلم الشريف في الوقوف"وإذا كان كذلك فإن من ألفوا في علم الوقف والابتداء قبل تأليف أبي على للحجة لم يكن لهم ذلك!! فكأنه يدل بعلمه العميق وإحاطته بما في الحجة فكيف وقد استدرك على أبي علي.!
وعند قوله تعالى: ( ... تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ... ) (الزمر: 23) ، قال الباقولي:"ولا التفات إلى تعسف الرازي من إجازته (تلين) ، والقول ما قال عن عسف هذا الوقف، إلا أن قوله: إجازته، يدل على أن الرازي قد ذكر غيره كالوقف على (ذكر الله) مثلًا، ولعل من وقف لمح أن الفعل (تلين) لا يُعدَّى بحرف الجر (إلى) ، فوقف لذلك وحذف الخبر، والتقدير: جلودهم وقلوبهم مطمئنة إلى ذكر الله، وخص اللين بالجلود فقط، غير أن وجه الوصل أولى، ويحمل على تضمين تلين معنى تطمئن وتسكن."
ولم يزل يتتبع الإمام الرازي ويعد له السقطات ثم ختم ذلك بأن أجمل جلها في سورة الفجر عند قوله تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد) (الفجر6 - 7) فانتقد تطويله في بيان وقف من يقف على (إرم) قال:"وهذا التطويل الذي تراه عن صاحب التصنيف في قوله (إرم) إنما هو ليبين أن (إرم) لقب زيد لعلة، ولولا أني أتجنب التطويل لأريتك غفلة هذا الرجل عن كتاب أبي إسحاق، كيف وقد أعلمتك سهوه في قوله (من كفر بالله) (النحل: 106) ، وقوله (والذي قال لوالديه) (الأحقاف: 17) ، وقوله تعالى (من خشي) ، (ق: 33) وقوله تعالى (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) (الممتحنة:1) ، وقوله تعالى (الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا) (الطلاق.10،11) ، و (إنه تعالى جد ربنا) (الجن.3) فدونك قصيرًا عن التطويل [الذي] لا طائل تحته".
فأما الوقف على (إرم) فإنه مما يستحق أن يوقف عنده لتجلية وجهه وقد اختار الوقف عليه الإمام نافع وأبو جعفر الرؤاسي، ووصفة الكسائي بأنه وقف جيد، -واستنكره النحاس-، وإذا انتقد الرازي على تطويله فإنه اختصر فأخل إذ لم يبين العلة، وعلته بيان أن (إرم) اسم لعاد لا للمدينة وهي عاد الأولى تمييزًا لها من عاد الثانية، والسكت عليه سكتة لطيفة أولى من الوقف لتعلق ما بعده بما قبله.
وأما غفلته عن كتاب أبي إسحاق فهي كغفلته عن كتاب أبي علي لا يجب عليه علمه بكل ما فيهما، بل لا يضيره أن لا يقرأهما البتة، وأما آية النحل فقد مر ذكر ما فيها، وأما آية الأحقاف فقد جانب الباقولي - رحمه الله - فيها الصواب، قال:"قوله تعالى: (والذي قال لوالديه) زعم الرازي أنه مبتدأ، وليس خبره (أولئك) (18) لأن (أولئك) جمع، ولا يكون خبر المبتدأ المفرد، قال: قوله (أولئك) جواب قولهم: ائتوا بآبائنا، أي أحيوا لنا قصيًا وفلانا وفلانًا، وقال الله: (أولئك الذين حق عليهم القول في أمم) ، ونسي الرازي قوله تعالى (مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا) (البقرة:17) ثم قال: (ذهب الله بنورهم وتركهم) "
(يُتْبَعُ)