خير اسمه المسيب، وهو من الثقات (تذهيب الكمال 588/ 27 - 589) ، والله أعلم.
4 -قال ابن القيم في (5/ 2) : (فهذا فضله وعطاؤه، وما عطاؤه بمحظور، ولا فضله بمنون) ، و هكذا جاء في جميع النسخ التي رجع إليها المحقق، ولكن المحقق - غفر الله له - تصرف في هذا النص وجعله هكذا: (فهذا فضله وعطاؤه، {وما كان عطاء ربك محظورا} (الإسراء: 20) ، ولا فضله بمنون). فتأمل كيف غير المحقق هذا النص إلى آية، وهذا خلل في التعامل مع النصوص، فابن القيم كتب هذه الجملة مستفيدًا من"القرآن الكريم"، وهذه عادة من يجري"الكتاب"و"السنة"في قلمه. ولو أراد ابن القيم ذكر نص الآية لسبقها بكتابة: (قال تعالى) ، وقد اتفقت جميع النسخ التي رجع إليها المحقق واعتمدها على هذا؛ فكان الأولى التقيد بذلك.
وقد يقول بعض الناس: هكذا جاء النص في بعض المطبوعات، واعتمد المحقق ما في المطبوعات، ولم يعتمد ما جاء في النسخ لرداءتها وتأخرها، فهي نسخة معيبة.
قلت: العيب ليس في هذه النسخ - وهناك ما هو أسوأ منها - ولكن العيب في اختيار هذه النسخ، مع وجود غيرها، وإن سلّمنا بأن هذه النسخ معيبة - وهي كذلك - فالمطبوع أشد عيبًا منها، بشهادة المحقق الذي حقق الكتاب لسوء طبعاته.
وقد يقول بعض الناس: الخطب في مثل هذا يسير.
وأجيب: إن الأمر لا يتعلق بتغيير هذه الجملة نفسها، ولا ب"المحقق"، ولا ب"إعلام الموقعين"، ويخطئ من يظن أن الأمر يتعلق بها لذاتها، بل الأمر يتعلق بقواعد تحقيق النسخ، والضوابط في التغيير والتبديل.
فمنهج التحقيق المعتمد على النسخ الرديئة (الناقصة والمتأخرة) ، ومقابلتها بطبعات أسوأ منها، والجرأة على تغيير النص مع احتماله، أمر يجب التحذير منه وتبيينه.
ومن يكون هذا منهجه، في بعض الكتب، فيخشى أن ينسحب هذا المنهج على أعماله القادمة، مما يجعل القارئ يطرح الثقة فيها مستقبلًا.
5 -جاء في (139/ 2) : العزو إلى"الإحكام"لابن حزم (25/ 6) ، والصواب (52/ 6) .
6 -جاء في (105/ 2) : (قال البخاري: حدثنا سنيد، ثنا يحيى بن زكريا ... ) . وفي (111/ 2) : (قال البخاري: حدثنا سنيد بن داود: ثنا يحيى بن زكريا .. ) . وفي (138/ 2) : (قال البخاري: حدثنا سنيد بن داود: ثنا حماد بن زيد .. ) وفي (156/ 2) : (قال البخاري: حدثنا سنيد: ثنا يزيد .. ) .
وظاهر من هذه النقول أنّ المراد ب (البخاري) ؛ هو: أمير المؤمنين في الحديث"محمد بن إسماعيل البخاري"، صاحب"الصحيح".
والمحقق - وفقه الله - مر على هذه النقول دون تعليق، في جميع المواضع، ولم يبين من هو"البخاري"المراد في كلام ابن القيم، فلو كان هو الإمام المعروف، لخرّج هذه الآثار من"صحيحه"، ومن كتبه الأخرى، أو يقول لم أجد هذه الآثار فيما طبع من كتبه. والذي دعاني لتأمل هذا أمور؛ منها: أنه خرّج هذه الآثار من مصادر عدة، ولم يأت بمصدر واحد للبخاري في تخريج هذه النقول، ولم يقل من هو المراد ب (البخاري) هنا.
يقول عبدالله الشمراني: الذي وصلت إليه في هذا الأمر أن ابن القيم نقل هذه الآثار من"جامع بيان العلم"لابن عبدالبر (2007، 2069، 2070، 2071) (ط. دار ابن الجوزي) ، وقد ساق هذه الأسانيد هكذا: ( ... حدثنا عبدالملك بن بحر(أبجر) : ثنا محمد بن إسماعيل، قال: ثنا سنيد .. ). ولم يقل: (ثنا البخاري) في واحدٍ منها. وروى هذه الأحاديث عنه ابن حزم في"الإحكام" (52/ 6) ، ولم يقل (البخاري) ، بل ساقه كما في مصدره: (محمد بن إسماعيل: ثنا سنيد .. ) .
والسؤال الآن:
هل محمد بن إسماعيل هذا هو الإمام البخاري؟
أو أنّ ابن القيم رأى هذا الإسناد فظنّ أن محمد بن إسماعيل هو البخاري، فكتب ذلك في كتابه؟
أو أنّه كتب في كتابه محمد بن إسماعيل، وتصرف النساخ في ذلك، وكتبوه"البخاري"اجتهادًا منهم؟
والمسألة بحاجة إلى تأمل، لما يأتي:
(1) عدّد المزي في"تهذيب الكمال (162/ 12) من اسمه محمد بن إسماعيل من شيوخ سُنيد، ولم يذكر سوى اثنين؛ هما: محمد بن إسماعيل الصائغ، ومحمد بن إسماعيل الترمذي، ويحتمل أنّ محمد بن إسماعيل الوارد في إسناد ابن عبدالبر أحد هذين الرجلين، والله أعلم."
(يُتْبَعُ)