وها نحن بعد هذا المشوار الطويل في مجال تحقيق التراث ونشره لا نكاد نقف على عشر المكتبة الإسلامية محققة تحقيقًا علميًا تقرُّ به عين طالب العلم، ففي مجال التفسير وعلوم القرآن إذا تجاوزنا تفسير الطبري وما قام به العلامة أحمد محمد شاكر وأخوه محمود محمد شاكر وما تممه فريق التحقيق بدار هجر بالتعاون مع فضيلة الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، وما قام به الدكتور أحمد محمد الخراط في تحقيق كتاب (( الدر المصون في علوم الكتاب المكنون ) )، وما بدأه القسم الأدبي بدار الكتب المصرية في تحقيق (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي واستفاد منه فريق التحقيق بمؤسسة الرسالة بإشراف الدكتور عبد الله التركي في إخراج الكتاب = لا تكاد تجد كتابًا محققًا في فن التفسير بمعنى الكلمة.
وفي مجال السنة وعلومها: إذا نظرنا إلى الكتب السبعة لا تكاد تجد كتابًا حقق التحقيق العلمي اللائق به فلا نرى إلا طبعات مضى عليها دهر ولاتزال تتصدر قائمة أفضل طبعات تلك الكتب وما صدر من طبعات جديدة هي أقرب إلى التجارية منها إلى علم تحقيق النصوص كتلك التي قام بها الدكتور بشار عواد معروف في تحقيقه لجامع أبي عيس الترمذي أو تحقيقه لسنن محمد بن يزيد بن ماجة، وقس على ذلك وفي سيرك الطويل في مجال تحقيق السنة لا يكاد يستوقفك غير طبعة الرسالة من مسند الإمام أحمد بن حنبل على عجرها وبجرها، وكذلك صحيح ابن حبان كلاهما بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط وبعض التحقيقات المقبولة علميًا مثل تحقيق مسند الدارمي لحسين سليم أسد وتحقيقه لمسند أبي يعلى ومسند الحميدي، وبقيت كتب كثيرة لم يحقق شيء منها تحقيقًا علميًا يليق به، وحسبك مثلا على ذلك أنك لا تكاد تجد كتابًا من شروح كتب السنة خدم الخدمة العلمية اللائقة به وعلى رأس تلك الكتب: شرح النووي على صحيح مسلم وشروح ابن حجر والعيني والقسطلاني على صحيح البخاري وشروح جامع الترمذي وشروح سنن أبي داود.
وأما كتب الفقه فإذا تجاوزنا بعض كتب الفقه الحنبلي التي قامت على خدمتها وتحقيقها المملكة العربية السعودية، لا نكاد نرى كتابًا من كتب الفقه الأخرى قد حقق بما يستحق أن يسمى تحقيقًا علميًا إلا في القليل النادر.
وهكذا بقية فروع العلوم الإسلامية باستثناء جهود فردية قام بها عمالاقة التحقيق الموهوبون في مجال اللغة والأدب من أمثال العلامة أحمد شاكر ومحمود شاكر وعبد السلام هارون والسيد أحمد صقر ومحمد محيي الدين عبد الحميد وصلاح الدين المنجد وحسين نصار ومحمود محمد الطناحي وفخر الدين قباوة وأمثال هؤلاء الفطاحل.
وكان من أوائل المطابع العربية في العالم الإسلامي:
1 -مطبعة (الجوائب) بالأستانة والتي أنشأها أحمد فارس الشدياق وطبع فيها كتبه مثل (الجاسوس على القاموس) وغيرها.
2 -ونشأت بعض المطابع المسيحية في لبنان لكنها كانت ذات طابع كنسي تبشيري.
3 -ولم يظهر الوجه العربي الإسلامي للطباعة إلا في مطبعة بولاق بمصر، فقد تدافعت مطبوعاتها من الكتاب العربي الإسلامي كأنها السيل.
وكان من أوائل المحققين الذين عملوا في تلك المطبعة الشيخ نصر الهوريني - رحمه الله - وهو من علماء اللغة والأدب، تعلم بالأزهر ثم أرسلته الحكومة في بعثة إلى فرنسا، ولما عاد إلى مصر ولي رئاسة تصحيح مطبعة بولاق فصحح الكثير من كتب العلم والأدب والتاريخ، وصنف كتاب: (( المطالع النصرية للمطابع المصرية ) )في أصول الكتابة أي الإملاء بالمعنى الحديث.
ومن مصححي مطبعة بولاق المشاهير: الشيخ محمد بن عبد الرحمن المعروف بالشيخ (( قطة العدوي ) ) (ت1281هـ) وكانت له عناية فائقة بكتب النحو، وله شرح على شواهد شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك في النحو، ونسخ العديد من الكتب بخط يده وهي محفوظة بدار الكتب المصرية.
ومن أراد المزيد في هذا المجال فليرجع إلى المدخل المشار إليه سابقًا للدكتور العلامة محمود محمد الطناحي رحمه الله.
وهذه بعض أهم دور النشر العربية وبعض المعلومات عنها:
(أ) مكتبات مصر:
1 -مكتبة بولاق، وقد سبق الكلام عليها.
2 -المكتبة السلفية:
(يُتْبَعُ)