وبهذا المعنى بعد ابن رشد مفسرا كفؤا مفيد النص أرسطو، وهو يرشدنا إلى كيفية قراءة هذا المؤلف، وينبهنا إلى المشاكل التي قد نهملها اولا تنبيهه لنا على وجودها. واهتمام ابن رشد المتوالى بالتفسير المتقن يؤدى به إلى الاستفاضة في عرض المعانى المتضمنة في ملاحظات أرسطو وإلى الكشف عن ما يجمع الأجزاء المختلفة للنص. ومعرفة ابن رشد ووعيه بآراء المفسرين المتقدمين لكتاب أرسطو يتيحان له أن يطيل في تبيين ملاحظات أرسطو دون أن يؤدى به ذلك إلى إساءة الفهم أو الشرح أو إلى استنباط نتائج ينكرها أرسطو. وعلى العكس من ذلك فإن طريقة عرض ابن رشد التي اختارها لتلخيص كتاب أرسطو ساهمت في تأويل أوفى وأدق للنص مع إدراك لوصف أرسطو الشامل لكيفية تأدية اللغة لوظيفتها.
ومع ذلك فقد بقيت عدة مسائل في نص أرسطو لم يحلها ابن رشد بصورة مرضية تماما. وعلى سبيل المثال فبينما كان من الواضح أن ملاحظات أرسطو عن الجهة التي تدل عليها اللغة لأى شخص يعرف اللغة اليونانية يمكن توضيحها لشخص متمكن من العربية، لا نجد بيانا واضحا للصلة بين اللغة والطبيعة والوضع. ونحن نلاحظ أنه يمكن الحديث عبر تقاليد لغوية عن القواعد التي تحكمها ونقبل التأكيد بأنا جميعا ندرك نفس الموجودات الطبيعية، مهما قمنا بالتعبير عن تلك الموجودات وعن علاقاتها بتقاليدنا اللغوية المختلفة. ولكنا لا نصادف هاهنا بيانا كاملا لحصولنا على هذه الصورة العامة. وأيضا فإننا انتهينا من هذا التلخيص بفهم أوضح لصياغة القضايا ووعى أكبر للعلاقات المختلفة بين قضايانا، إلا أنا لا نفهم في الحقيقة لماذا هى صحيحة. وقد شرح ابن رشد ما قاله أرسطو عن تلك العلاقات، كما طور تماما ملاحظات أرسطو ولكنه لم يدلل على صحتها ولم يبين مغزاها.
ورغم أن الغرض الأقصى من معرفة مقابلة القضايا بعضها لبعض وتلازمها ينبغى أن
يجعلنا قادرين على صياغة مقدمات القياسات المنطقية بوضوح أكثر فإن ابن رشد لا يكاد يذكر كيف تعدنا هذه الأمور لفهم ما سيذكر في كتاب القياس.