الصفحة 46 من 120

ورغم أن الغرض الأقصى من معرفة مقابلة القضايا بعضها لبعض وتلازمها ينبغى أن

يجعلنا قادرين على صياغة مقدمات القياسات المنطقية بوضوح أكثر فإن ابن رشد لا يكاد يذكر كيف تعدنا هذه الأمور لفهم ما سيذكر في كتاب القياس.

وكذلك فيما عدا إشارات ابن رشد هاهنا للملاحظات عن العدم المشار إليها في كتاب المقولات لا نجد أية محاولة لربط تعليم ذلك الكتاب بتعليم هذا الكتاب.

وهناك بعض المسائل التي لم يذكرها أرسطو كنا ننتظر من ابن رشد أن يثيرها.

فبالرغم من المشاكل الواضحة في وصف أرسطو لمبدإ التناقض فإنه يدافع عنه بأنه يجب أن يكون مبدأ ذاتيا ولا بد. ويعدل ابن رشد وصف أرسطو بصورة تكفى لمساندة وجود الأمور الممكنة المستقبلة ومساندة الصعوبات المحيطة بالعلاقات بين القضايا الممكنة والضرورية، ولكنه يترك المبدأ سليما وتبين سبب فعل ابن رشد ذلك يتيح لنا أن ندرك المبدأ بصورة أكمل. وأيضا إذا عرفنا لماذا يقبل ابن رشد مصطلحات المفسرين ويرتب قضايا أرسطو في صورة قضايا ثنائية وقضايا ثلاثية قد نفهم مدى استخدامه لهذه التفاسير وتقديره لفائدتها. وأيضا كنا نحب بيانا أطول يوضح لنا لماذا بعض المتقابلات ليست دائما متقابلة.

ويمدنا ابن رشد بالخيوط الأولى لذلك بوصفه لجهات تقابل كل صنف من أصناف هذه القضايا المتقابلة أو عدم تقابلها. ولكنه لا يتجاوز ذلك التعديد إلى البحث عن سبب حدوث ذلك.

ومع ذلك قد يكون من غير الإنصاف أن ننقد ابن رشد لتقصيره في توضيح المسائل التي تركها أرسطو غامضة أو لنفوره من إثارة مسائل لم يثرها أرسطو قط.

وعلى كل حال فقد ذكر ابن رشد أن هدفه إنما هو بيان مذهب أرسطو وهو لا يدعى في أى مكان أنه يقصد إلى تنقيح ذلك المذهب. وبالإضافة إلى ذلك

فإن تلخيصه شاهد صادق على الجمع بين العمق والبساطة الذي تعودنا أن نجده في كتب القدماء. ويثير الكتاب من المسائل أكثر مما يحل، وذلك لأنه يجعلنا نفكر جنبا إلى جنب مع المؤلف. وبذلك يزودنا كل من ابن رشد وأرسطو بعناصر الإجابة على السؤال حول العلاقة بين الطبيعة واللغة والوضع دون أن يزودنا في الواقع بإجابة ما. ويبين لنا كلاهما كيف تنشأ اللغة بالوضع ويؤديان بنا إلى التفكير في المدى الذي تعكس فيه اللغة النظام الطبيعى. ولكن لا يصرح أى منهما كيف تدل اللغة على هذا الأمر، لأن مثل هذا السرد يعتمد على بحث آخر في الطبيعة وفى النفس البشرية. ومع ذلك الإغفال منهما فإن كلاهما يؤكد على أن مثل هذا البحث سوف يكشف عن العلاقة بينهما لأن كلاهما مقتنع بأن النفس البشرية يمكنها إدراك النظام الطبيعى. وهذا يعنى أن كلاهما يرى أنه يمكن للإنسان أن يفهم العالم الذي يعيش فيه، ليس فقط لأن الإنسان له قوة عقلية على أن يفعل ذلك بل أيضا لأن من شأن العالم أنه معلوم ومدرك. إلا أن مؤلفينا يقتصران هنا على بحث الآلات التي نستطيع بها متابعة المهمة وهى الأقاويل، والأسماء والكلمات التي تؤلفها، ومتلازماتها أو متقابلاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت