فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمة السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة، وإن هكذا أنزلت إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء، فذلك لا يخرجها عن الصحة. فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف، لا عمن تنسب إليه.
فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم، فوق ما ينقل عن غيرهم.
فمما نسب إليهم وفيه إنكار لأهل اللغة وغيرهم:
الجمع بين الساكنين في تاءات البزي [1] ، وإدغام أبي عمرو، وقراءة حمزة {فَمَا اسْطََاعُوا} [الكهف: 97] ، وتسكين من أسكن {بََارِئِكُمْ} و {يَأْمُرُكُمْ} [البقرة: 54] ونحوه، و {سَبَإٍ} [النمل: 22] و {يََا بُنَيَّ} [لقمان: 13] ، ومكر السّيّئ [لقمان: 17] ، وإشباع الياء في نرتعي [يوسف: 12] ويتّقي ويصبر [يوسف: 90] و {أَفْئِدَةً مِنَ النََّاسِ} [إبراهيم: 37] وقراءة ليكة [الشعراء: 176] بفتح الهاء، وهمز {سََاقَيْهََا}
[النمل: 44] ، وخفض {وَالْأَرْحََامَ} [النساء: 1] ، ونصب {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] ، والفصل بين المضافين في «الأنعام» ، وغير ذلك على ما نقلناه وبيناه بعون الله تعالى وتوفيقه في شرح قصيدة الشيخ الشاطبي رحمه الله.
فكل هذا محمول على قلة ضبط الرواة فيه على ما أشار إليه كلام ابن مجاهد المنقول في أول هذا الباب.
وإن صح فيه النقل فهو من بقايا الأحرف السبعة التي كانت القراءة مباحة عليها، على ما هو جائز في العربية، فصيحا كان أو دون ذلك.
وأما بعد كتابة المصاحف على اللفظ المنزل، فلا ينبغي قراءة ذلك اللفظ إلا على اللغة الفصحى من لغة قريش وما ناسبها، حملا لقراءة النبي صلى الله عليه وسلّم والسادة من أصحابه على ما هو اللائق بهم، فإنهم كما كتبوه على لسان قريش، فكذا قراءتهم له.
وقد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة، أي كل فرد فرد مما روى عن هؤلاء الأئمة السبعة قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب.
(1) البزي: هو أحمد بن محمد بن عبد الله المكي، صاحب قراءة ابن كثير، توفي سنة 250هـ.
(انظر ترجمته في: لسان الميزان 1/ 283، غاية النهاية 1/ 119) .