لم يبق لمعظم من طلب القرآن العزيز همة إلا في قوة حفظه وسرعة سرده وتحرير النطق بألفاظه والبحث عن مخارج حروفه والرغبة في حسن الصوت به.
وكل ذلك وإن كان حسنا ولكن فوقه ما هو أهم منه وأتم وأولى وأحرى وهو فهم معانيه والتفكر فيه والعمل بمقتضاه والوقوف عند حدوده وثمرة خشية الله تعالى من حسن تلاوته، ونحن نسرد من الأخبار والآثار ما يشهد لما قلناه بالاعتبار.
أخرج أبو عبيد القاسم بن سلام في «كتاب فضائل القرآن» عن ابن عباس ومجاهد [1] وعكرمة في قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ الْكِتََابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلََاوَتِهِ}
[البقرة: 121] ، قال: يتبعونه حق اتباعه.
وعن الشعبي في قوله تعالى: {فَنَبَذُوهُ وَرََاءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187] ، قال:
أما إنه ما كان بين أيديهم، ولكن نبذوا العمل به.
وعن أبي الزاهرية: أن رجلا أتى أبا الدرداء بابنه فقال: يا أبا الدرداء، إن ابني هذا جمع القرآن، فقال: اللهم اغفر، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاعه.
وروي مرفوعا وموقوفا: اقرءوا القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرأه.
وعن الحسن [2] : أن أولى الناس بالقرآن من اتبعه وإن لم يكن يقرأه.
(1) مجاهد: هو مجاهد بن جبير المخزومي، أبو الحجاج المقري المكي، مولى عبد الله بن السائب، وقيل: مولى السائب بن أبي السائب، فقيه محدث تابعي ثقة، توفي بمكة سنة 102هـ، وقيل: سنة 103هـ. وقيل: سنة 104هـ. صنف: «تفسير القرآن» . (أسماء التابعين 1/ 363، كشف الظنون 6/ 4) .
(2) الحسن البصري: هو الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصري، الإمام التابعي الفقيه الزاهد، توفي بالبصرة سنة 110هـ، من تصانيفه: «تفسير القرآن» ، «رسالة إلى عبد الرحيم بن أنس في الترغيب بمجاورة مكة المكرمة» ، «رسالة في فضل مكة المكرمة» ، «كتاب