الصفحة 145 من 156

تخالف ما في مصحف عثمان المجمع عليه الذي اتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم على تلاوته، ثم بان لي أن ذلك خطأ، فأنا منه تائب، وعنه مقلع، وإلى الله عز وجل منه بريء، إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذي لا يجوز خلافه ولا أن يقرأ بغير ما فيه».

وكتب ابن شنبوذ فيه:

«يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ: إن ما في هذه الرقعة صحيح، وهو قولي واعتقادي، وأشهد الله عز وجل وسائر من حضر على نفسي بذلك» .

وكتب بخطه:

«فمتى خالفت ذلك أو بان مني غيره فأمير المؤمنين، أطال الله بقاه، في حل وفي سعة من دمي، وذلك في يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في مجلس الوزير أبي علي بن مقلة، أدام الله توفيقه» .

وكان مما اعترف به يومئذ: فامضوا إلى ذكر الله [الجمعة: 9] ، وتجعلون شكركم أنّكم تكذّبون [الواقعة: 82] ، وكان أمامهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصبا [الكهف: 79] ، كالصّوف المنفوش [القارعة: 5] ، تبّت يدا أبي لهب وقد تبّ [المسد: 1] ، فلمّا خرّ تبيّنت الإنس أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب [سبأ: 14] ، والنّهار إذا تجلّى والذّكر والأنثى [الليل: 32] ، فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاما [الفرقان: 77] ، ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم [آل عمران: 104] ، تكن فتنة في الأرض وفساد عريض [الأنفال: 73] ».

وتحت ذلك بخط ابن مجاهد:

«اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الرقعة بحضرتي وكتب ابن مجاهد بيده» .

قلت: ثم مات ابن شنبوذ في صفر سنة ثمان وعشرين بعد موت ابن مجاهد بأربع سنين، وعزل ابن مقلة ونكب في سنة أربع وعشرين بعد نكبة ابن شنبوذ بسنة واحدة، فجرى عليه من الإهانة بالضرب والتعليق والمصادرة أمر عظيم، ثم آل أمره إلى قطع يده ولسانه، ونسأل الله تعالى العافية.

وابن شنبوذ وإن كان ليس بمصيب فيما ذهب إليه، ولكن خطأه في واقعة لا يسقط حقه من حرمة أهل القرآن والعلم، فكان الرفق به ومداراته أولى من إقامته مقام الدعار المفسدين في الأرض وإجرائه مجراهم في العقوبة، فكان اعتقاله وإغلاظ القول له كافيا في ذلك إن شاء الله تعالى، ولكنه سبحانه وتعالى {يَفْعَلُ مََا يَشََاءُ}

[آل عمران: 40، والحج: 18] ويبتلي من شاء بما شاء سبحانه، لا يسأل عمّا يفعل [الأنبياء: 23] ، وهو تعالى أعلم وأحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت