فليس الأقرب في ضبط هذا الفصل إلا ما قد ذكرناه مرارا من أن كل قراءة
اشتهرت بعد صحة إسنادها وموافقتها خط المصحف ولم تنكر من جهة العربية فهي القراءة المعتمد عليها، وما عدا ذلك فهو داخل في حيز الشاذ والضعيف، وبعض ذلك أقوى من بعض.
والمأمور باجتنابه من ذلك ما خالف الإجماع لا ما خالف شيئا من هذه الكتب المشهورة عند من لا خبرة له.
قال أبو القاسم الهذلي في كتابه «الكامل» :
«وليس لأحد أن يقول: لا تكثروا من الروايات، ويسمى ما لم يصل من القراءات الشاذ، لأن ما من قراءة قرئت ولا رواية رويت إلا وهي صحيحة إذا وافقت رسم الإمام ولم تخالف الإجماع» .
فإن قلت: قراءة من لم يبسمل بين السورتين ينبغي أن تكون ضعيفة لمخالفتها الرسم.
قلت: لا، فإنه يبسمل إذا ابتدأ كل سورة، فهو يرى أن البسملة إنما رسمت في أوائل السور لذلك على أنا نقول الترجيح مع من بسمل مطلقا بين السورتين وعند الابتداء، وذلك على وفق مذهب إمامنا الشافعي [1] رحمه الله، وفي كل ذلك مباحث حسنة ذكرناها في «كتاب البسملة الكبير» ، وبالله التوفيق.
قال شيخنا أبو الحسن رحمه الله:
«الشاذ مأخوذ من قولهم: شذّ الرجل يشذّ ويشذّ شذوذا، إذا انفرد عن القوم واعتزل عن جماعتهم، وكفى بهذه التسمية تنبيها على انفراد الشاذ وخروجه عما عليه الجمهور، والذي لم تزل عليه الأئمة الكبار القدوة في جميع الأمصار من الفقهاء والمحدثين وأئمة العربية توقير القرآن واجتناب الشاذ واتباع القراءة المشهورة ولزوم الطرق المعروفة في الصلاة وغيرها» .
(1) الإمام الشافعي: هو الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف الهاشمي القرشي المكي، توفي بمصر عام 204هـ، ويتلخص مذهبه في إيثار العودة إلى نصوص القرآن والسنة، إلى جانب أخذه بفتاوى الصحابة لإثبات بعض الأحكام. (انظر: وفيات الأعيان 4/ 169163، الفهرست ص 263، تاريخ بغداد 2/ 7356، تذكرة الحفاظ 1/ 329، تهذيب التهذيب 9/ 25، معجم الأدباء 6/ 367، طبقات السبكي 1/ 100، غاية النهاية 2/ 95) .