قلت: ما كل ممكن في القدرة بلازم وقوعه، فقد كان في قدرته تعالى أن يعلمه الكتابة والقراءة في لحظة واحدة، وأن يلهمهم الإيمان به، ولكنه لم يفعل، ولا
معترض عليه في حكمه. {وَلَوْ شََاءَ اللََّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ََ} [الأنعام: 35] ، {وَلَوْ شََاءَ اللََّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلََكِنَّ اللََّهَ يَفْعَلُ مََا يُرِيدُ} [البقرة: 253] .
وأيضا في القرآن ما هو جواب عن أمور سألوه عنها، فهو سبب من أسباب تفريق النزول، ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ولا يتأتّى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا.
فهذه وجوه ومعان حسنة في حكمة نزوله منجما، وكان بين نزول أول القرآن وآخره عشرون أو ثلاث وعشرون أو خمس وعشرون سنة، وهو مبني على الخلاف في مدة إقامة النبي صلى الله عليه وسلّم بمكة بعد النبوة، فقيل: عشر، وقيل: ثلاث عشر، وقيل:
خمس عشرة، ولم يختلف في مدة إقامته بالمدينة أنها عشر، والله أعلم.
وكان الله تعالى قد وعد نبيه صلى الله عليه وسلّم حفظ القرآن وبيانه، وضمن له عدم نسيانه بقوله تعالى: {لََا تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 1716] ، أي علينا أن نجمعه في صدرك فتقرأه فلا ينفلت عنك منه شيء، وقال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلََا تَنْسى ََ} [الأعلى: 6] ، أي غير ناس له.
وفي الصحيحين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلّم إذا نزل عليه جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه، فيشتد عليه، فكان ذلك يعرف منه، فأنزل الله تعالى: {لََا تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} أخذه {إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ،} إن علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه فتقرأه، {فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18] ، قال: أنزلناه فاستمع له {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنََا بَيََانَهُ} [القيامة: 19] ، أن نبينه بلسانك، فكان إذا أتاه جبريل عليه السلام أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله تعالى [1] .
وفي رواية: كان النبي صلى الله عليه وسلّم يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك شفتيه، فأنزل الله عز وجل: {لََا تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ،} قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه {فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ،} قال: فاستمع وأنصت، ثم إن علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا أتاه جبريل عليه السلام استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلّم كما أقرأه [2] .
(1) أخرجه البخاري في بدء الوحي باب 4، والتوحيد باب 43، وفضائل القرآن باب 28، ومسلم في الصلاة حديث 148.
(2) أخرجه البخاري في بدء الوحي باب 4، والتوحيد باب 43، ومسلم في الصلاة حديث 148، وأحمد في المسند 1/ 343.