وما ذكره من تهوينه لشرب الخمر وما حكاه هو عن نفسه في شربه له، ومشاهدة النساء الفاتنات والجلوس مع المردان وعشقهم كقصته مع ابن الجند، فهذا الذي ذكره ياقوت الحموي في ترجمته حجة كافية في إسقاط عدالة هذا الرجل على قلة ما نقله عنه من أخباره، فما بالك بكتابه الأغاني!!! وما أدراك ما كتاب الأغاني فإنه فيه كل بلاء، ويكفيك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيميِّة، وابن الجوزي فيه وفي كتابه فقد كفيا وشفيا رحمهما الله.
فهذا الذي ذكره الذهبي رحمه الله لا يعرج عليه لما ذكرناه، وأما توثيقه للرجل، فهذا من باب معارضة الجرح بالتعديل، وفي هذه الحالة يكون الجرح مقدم لأنه مفسر، وأما تبرير الحافظ الذهبي لأبي الفرج من كونه كان يحفظ أو واسع الإطلاع فهذا ليس دليلًا على ثقته. والله أعلم.
وأهل العلم يستعينون بمعرفة حال الرجل بأمور كثيرة منها الإطلاع على مؤلفاته، فإذا كان الرجل منحرفًا في كتباته متهورًا مجازفًا فهذا رجل ساقط العدالة كما هي الحالة في أبي الفرج.
وقال هلال بن المحسن الصابئ في أخبار الوزير المهلبي (كما في معجم الأدباء/ ج 5ص 61) : (( كان أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني ... وسِخًا قذرًا، ولم يغسل له ثوبًا منذ فصّله إلى أن قطعه ... وكان الناس على ذلك العهد يحذرون لسانه، ويتّقون هجاءه ويصبرون على مجالسته،ومعاشرته، ومواكلته، ومشاربته وعلى كل صعب من أمره،لأنه كان وسخًا في نفسه، ثم في ثوبه،وفعلِهِ، حتى إنه لم يكن ينزع دراعة إلا بعد إبلائها وتقطيعها، ولا يعرف لشيء من ثيابه غسلًا، ولا يطلب منه في مدة بقائه عوضًا ) ).
وقال ابن حجر في اللسان (ج4ص221) : (( وقد روى الدارقطني في غرائب مالك عدة أحاديث عن أبي الفرج الأصبهاني ولم يتعرض له ) ).
قلت: وليس هذا تعديلًا منه رحمه الله، لأنه يحتمل أن يكون قد خفي عليه أمره وهذا يحصل لبعض الأئمة، ثم لو أنه قد علم بحاله وروى عنه لما كان أيضًا سكوته دليلًا على تعديله، لما لا يلزم من ذلك كما لا يخفى على البصير. (2)
فهذه جملة صالحة من آراء طائفة من العلماء المعروفين بالتمحيص، والمنبّهين على مواطن الزيغ والشبهات وهي تكشف لنا عمّا انطوى عليه كتاب الأغاني ومؤلفه من تضليل وانحراف.
وأبو الفرج الأصبهاني من أبرز المتسترين تحت ظلال الأدب والأخبار والحرص الشديد على تدوين ما سمع وما قرأ.
فترى الأعاجيب في كتابه الأغاني، وتصدمك جرأته البالغة الرهيبة في سرد الأسانيد المليئة بالكذابين والوضاعين والمجهولين وغيرهم.
ومن قرأ وتمعن كتاب الأغاني عَلِمَ مقاصد مؤلفه الشعوبي الحاقد اللئيم، وقد احتوى كتابه على أخبار فظيعة، وحكايات شنيعة، لا يكتبها إلا أشدّ الناس عداوة وبغضًا للعرب والمسلمين، فقد اتّهم كثيرًا من أعلامهم باللواط، ورمى كريمات بعضهم بالسحاق، وألصق بهم السخائم من ذميم الخصال، وقبيح الفعال، متسترًا بظلال الأدب والسمر، والمذاكرة، والمؤانسة، فلا حول ولا قوة إلا بالله. (3)
1)وعند ابن كثير في البداية والنهاية (ج11ص263) : (( ومثله لا يوثق به ... ) ).
2)وقد قرر هذا الأمر أهل العلم.
انظر كتاب الكفاية في معرفة أصول علم الرواية للحافظ أبي بكر الخطيب رحمه الله (ج1ص291) باب ذكر الحجة على أن رواية الثقة عن غيره ليست تعديلًا له.
3)وأني أحيل القارئ إلى كتاب لكي يتعرف من قرب على شخصية أبي الفرج الأصبهاني وكتابه الأغاني ألا وهو كتاب وليد الأعظمي (( السيف اليماني في نحر الأصبهاني صاحب الأغاني ) ) (ط / دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة) . ملحق: ولقد هممت في الحقيقة في نقل بعض ما نقله الأصبهاني في كتابه الأغاني كدليل للقارئ على صدق ما نقول، ولكن والله الحياء والخجل من نقل ما وقفت أنا عليه يمنعاني من أن أنقل نصف حرف من الذي قرأته، وسوف أشير إلى بعض الصفحات من كتاب الأغاني الطبعة المصرية لكي يقف القارئ هو عليه بنفسه، وهي ما يلي: الأغاني (ج13ص326) و (ج4ص277) و (ج1ص277) و (ج2 ص369) و (ج 7ص46) و (ج7 ص58و59) و (ج 7ص60) و (ج 1ص133و135) . ولا أطيل على القارئ في ذكر الصفحات التي فيها طوام الأصبهاني فإن الأمر أوسع وأكبر من تحصره هذه الوريقات، وأحيل القارئ إلى المرجع السابق، فإنه أشار إلى هذه المصادر وغيرها من كتاب أبي الفرج مع نقله لكثير من النصوص التي أشرنا إليها، وبالله التوفيق.
ـ [لام العمري] ــــــــ [12 - 04 - 07, 10:53 م] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
اخوتي في الله ,جزاكم الله خيرا وشكر لكم