فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 66269 من 72678

ورُغمَ المشاقِ وَالأخطارِ التي وَاجههَا محمود فِي طريقِهِ فِي عُبورِ الصَّحراءِ إليهِ، إلا أنّهُ استطاعَ اجتِيازَهَا، ثم استَولَى عَلى البلادِ وَالقِلاعِ التي فِي طَريقِهِ دُون مشقة، فكانَ الهندوسُ مَطمئنينَ أنّهُ لَنْ يقدِرَ عَلى صَنَمِهِم الأكبر، الذي أشيعَ أنّه لَولا غَضَبه عَلى بقيةِ الأصنامِ مَا استطاعَ محمود أن يُحطِمَهَا .. فَعزَمَ محمودٌ عَلى غَزوِهِ وَتحطيمِهِ ظنًّا مِنهُ أنّ الهنودَ إذا فَقدُوهُ ورَأوا مَا حَلَّ بِهِ عَرَفوا كَذِبَ ادعائهم وَفاقُوا إلى رُشدِهِم وَرَجَعُوا عَنْ عِبادَةِ الأصنامِ وَدَخلُوا الإسلامَ، وَهكذا سيَّرَتهُ عقيدته الدينية التي تستهِلُ الصعبَ ولا تَعْرِفُ الخَطَر.

وَكانَ وصولَهُ إليهَا فِي مُنتصَفِ ذي القعدةِ سنةَ 1026م، فوَجَدَ حِصنًا عاليًا مَنيعًَا مَبنيًا عَلى سَاحِلِ البَحرِ، وَرَأى أهلَ سومنات قائمينَ عَلى الأسوارِ يَتفرَّجُونَ عَلى جيوشِ المُسلمينَ يَنتظرونَ مَصيرَهُمُ المحتوم على يَدِ سومنات، فقدْ كانوا واثقينَ أنّهُ سَيقطعُ دابِرَهُم وَسَيأخذُ بِثأرِ الأصنامِ مِنهم، وكانوا يقولونَ: تعالوا يَا مُسلمينَ لَقد دَعَاكم سومنات لِيهلكَكُم جميعًا وَيَأخذُ بِثارَاتِ الأصنامِ التي كَسَرْتُموهَا، وَلكنهم مَا لبِثوا حَتى فَاقُوا مِنْ أوهَامِهِم وَسيوفُ المُسلمينَ تحصدهم حصدًا، وَلَمْ يُجدهِم استبسَالهم أو لَواذِهم بسومنات وَلا تعفيرَ الوجوهِ في دَفعِ قوةِ محمودٍ وَجيشِهِ المُسلِمَ، كانَ أنْ لاذوا بِالمراكِبِ وَتركُوا المَعبدَ فِي أيدِي المُسلمينَ يَفعلُونَ بِهِ مَا يشاؤون، وَلَحقهم المُسلِمُونَ فَقَتَلُوا بعضًا وأغرَقوا بَعضًا، وَهكذا تَمَّ النصرُ لِلمسلمينَ واستولى البطل محمود الغزنوي رحمهُ اللهُ على نفائسِ المَعبدِ وَمُجوهراتِهِ بَعد أن هَدَمَه وحَطّمَ الصنم. وَيذكرُ المؤرخونَ أنَّ محمود رحمه الله بَعدَ أنْ كسرَ الصنمَ أخذَ بَعضَهُ وَجعلَهُ فِي عتبةِ المسجدِ العظيمِ الذي بَناهُ فِي غزنةَ، كمَا أخذَ أبوابَ سومنات وَحَملَهَا مَعَهُ إلى عَاصِمَةِ مُلكِهِ (غزنة) ،

وَفِي طريقِ محمودٍ إلى غَزنةَ اخْضَعَ بَعضَ البلادِ وَضمَّهَا لِمَمْلكتِهِ الواسِعَةَ .. وَقدْ ظلَّ محمود بَعدَ هَذا يُواصِلُ جِهادَهُ وَحروبَهُ فَِي الهندِ وخراسانِ حَتى مَرِضَ واستمرَّ مرضُهُ سنتين، وَمَع ذلِكَ لَمْ يَحتجِبْ عَنِ الناسِ وَبقيَ يُبَاشِرُ أمورَ مَملكتِهِ حَتى تُوفي فِي عامِ 1030م، رَحِمهُ اللهُ رحمةً واسِعةً وَجزاهُ عَنْ المُسلمينَ خيرَ الجزاءِ.

محمود في نظر التاريخ

مَاتَ محمودٌ وَأصبَحَ فِي ذِمَّةِ التاريخِ، وإن كنّا قد نسيناهُ وَتغاضينا عَنْ إنجازاتِهِ العظيمةِ فَقدْ شَغلَ المؤرخينَ وَتعِبُوا فِي تتبعِ أعمالِهِ وَسردِهَا .. وَمَا دوَّنُوا كلَّ أعمالِهِ، حَتى قالَ ابنُ الأثيرِ بَعدَ أنْ كَتبَ الكثيرَ عنهُ: هذا هُوَ بَعضُ مَا بَلَغَنَا عَنْ أعمَالِهِ وَفتوحَاتِهِ، وإنَّ الإنسانَ لَيدهَشُ حِينَ يَقرأ مَا قامَ بِهِ، كيفَ استطاعَ أنْ يَقومَ بِكلِ هَذا وَيقطعَ كلَّ هَذِهِ المسافاتِ وَيفتحَ هَذِهِ الفتوحاتِ؟ بَلْ إنّهُ مِنْ أعيانِ الفقهاءِ وَلهُ مَؤلفاتٍ مِنهَا: التغريدَ فِي الفروعِ، وَهوَ مَشهورٌ فِي بِلادِ غزنةَ فِي غايَةِ الجودَةِ وَكثرَةِ المَسائلِ وبِهِ نَحوَ ستينَ ألفَ مَسألةٍ، وَلا نَدرِي مَتى تَفرّغَ لِمِثلِ هَذا التأليفِ؟؟!

فهكذا يكونُ النادرونَ مِنْ عُظماءِ الرجالِ ننظرُ إليهِم وَكأنَّهُم عَمالِقةٌ، نَسرَحُ بِبصرِنا إلى أعلى فيأخُذنا الدوارُ مِنْ طُولِ النظرِ، وَمَا أحطنا بِمَنْ ننظرُ إليهِ

بقلم وريشة:

هداية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت