204 -صالح بن مهدى بن على بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن عبد الله ابن سليمان بن أسعد بن منصور المقبلى ثم الصنعانى ثم المكى ولد في سنة 1047 سبع وأربعين وألف في قرية المقبل من أعمال بلاد كوكبان وأخذ العلم عن جماعة من أكابر علماء اليمن منهم السيد العلامة محمد بن ابراهيم بن المفضل كان ينزل للقراءة عليه من مدينة ثلا إلى شبام كل يوم وبه تخرج وانتفع ثم دخل بعد ذلك صنعاء وجرت بينه وبين علمائها مناظرات أوجبت المنافرة لما فيه من الحدة والتصميم على ما تقتضيه الادلة وعدم الالتفات إلى التقليد ثم ارتحل إلى مكة ووقعت له امتحانات هنالك واستقر بها حتى مات في سنة 1108 ثمان واحدى عشرة مائة كتبت مولده فيما علق بذهنى من كتبه فانه ذكر فيها ما يفيد ذلك وهو ممن برع في جميع علوم الكتاب والسنة وحقق الاصولين والعربية والمعانى والبيان والحديث والتفسير وفاق في جميع ذلك وله مؤلفات مقبوله كلها عند العلماء محبوبة اليهم متنافسون فيها ويحتجون بترجيحاته وهو حقيق بذلك وفي عباراته قوة وفصاحة وسلاسة تعشقها الأسماع وتلتذ بها القلوب ولكلامه وقع في الاذهان قل أن يمعن في مطالعته من له فهم فيبقى على التقليد بعد ذلك وإذا رأي كلاما متهافتا زيفه ومزقه بعبارة عذبة حلوة وقد أكثر الحط على المعتزلة في بعض المسائل الكلامية وعلى الاشعرية في بعض اخر وعلى الصوفية في غالب مسائلهم وعلى الفقهاء في كثير من تفريعاتهم وعلى المحدثين في بعض غلوهم ولا يبالى إذا تمسك بالدليل بمن يخالفه كائنا من كان فمن مؤلفاته الفائقة حاشية البحر الزخار للامام المهدى المسماة بالمنار سلك فيها مسلك الانصاف ومع ذلك فهو بشر يخطىء ويصيب ولكن قد قيد نفسه بالدليل لا بالقال والقيل ومن كان كذلك فهو المجتهد الذي إذا أصاب كان له أجران وان أخطأ كان له أجر ومنها العلم الشامخ اعترض فيه على علماء الكلام والصوفية ومنها في الاصول نجاح الطالب على مختصر ابن الحاجب جعله حاشية عليه ذكر فيها ما يختاره من المسائل الأصولية ومنها في التفسير الاتحاف لطلبة الكشاف انتقد فيه على الزمخشرى كثيرا من المباحث وذكر ما هو الراجح لديه ومنها الأرواح النوافخ والأبحاث المسددة جمع مباحث تفسيرية وحديثية وفقهية واصولية ولما وقفت عليه في أيام الطلب كتبت فيه أبياتا وأشرت فيها إلى سائر مؤلفاته وهى
(لله در المقبلى فانه ... بحر خضم جان بالانصاف)
(أبحاثه قد سددت سهما إلى ... نحر التعصب مرهف الأطراف)
(ومناره علم النجاح لطالب ... مذ روح الأرواح بالاتحاف)
وقد كان الزم نفسه السلوك مسلك الصحابة وعدم التعويل على تقليد أهل العلم في جميع الفنون ولما سكن مكة وقف عالمها البرزنجى محمد ابن عبد الرسول المدنى على العلم الشامخ في الرد على الآباء والمشايخ فكتب عليه اعتراضات فرد عليه بمؤلف سماه الأرواح النوافخ فكان ذلك سبب الانكار عليه من علماء مكة ونسبوه إلى الزندقة بسبب عدم التقليد والاعتراض على أسلافهم ثم رفعوا الأمر الى سلطان الروم فأرسل بعض علماء حضرته لاختباره فلم يرمنه الا الجميل وسلك مسلكه وأخذ عنه بعض أهل داغستان ونقلوا بعض مؤلفاته وقد وصل بعض العلماء من تلك الجهة إلى صنعاء وكان له معرفة بأنواع من العلم فلقيته بمدرسة الامام شرف الدين بصنعاء فسألته عن سبب ارتحاله من دياره هل هو قضاء فريضة الحج فقال لى بلسان في غاية الفصاحة والطلاقة انه لم يكن مستطيعا وإنما خرج لطلب البحر الزخار للامام المهدى أحمد بن يحيى لأن لديهم حاشية المنار للمقبلى وقد ولع بمباحثها أعيان علماء جهاتهم داغستان وهى خلف الروم بشهر حسبما أخبرنى بذلك قال وفى حال مطالعتهم واشتغالهم بتلك الحاشية يلتبس عليهم بعض ابحاثها لكونها معلقة على الكتاب الذي هى حاشية له وهو البحر فتجرد المذكور لطلب نسخة البحر ووصل إلى مكة فسأل عنه فلم يظفر بخبره عند أحد فلقى هنالك السيد العلامة ابراهيم بن محمد بن اسماعيل الأمير فعرفه أن كتاب البحر موجود في صنعاء عند كثير من علمائها قال فوصلت الى هنا لذلك ورأيته في اليوم الثانى وهو مكب في المدرسة على نسخة من البحر يطالعها مطالعة من له كمال رغبة وقد سر بذلك غاية السرور وما رأيت مثله في حسن التعبير واستعمال خالص اللغة وتحاشى اللحن في مخاطبته وحسن النغمة عند الكلام فانى أدركت لسماع
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)