وكثيرٌ منَ الموالي وأبناء الموالي صاروا سادةً بالعلم، في الوقت الذي أصبح كثيرٌ منَ السَّادة لا يُذكَرون.
قال ابن أبي الزِّناد رحمه الله تعالى:"كان أهل المدينة يكرهون اتِّخاذ أمَّهات الأولاد، حتى نشأ فيهم الغرُّ السَّادة: علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبدالله؛ ففاقوا أهل المدينة علمًا وتقًى وعبادةً ووَرَعًا؛ فرغب الناس حينئذٍ في السَّراري" [1] .
إنَّ العلم والتقوى يصبح بهما الوضيع رفيعًا، والخامل مشهورًا، والضعيف قويًّا؛ لحاجة الناس إلى أهل العلم؛ ولأنَّ الله تعالى يحبُّ المتَّقين، ويحبُّ العلماء العاملين، فيرفعهم ويعزُّهم، ويجعل حاجة الناس إليهم.
رأى رجلٌ الحسنَ البصريَّ والناس حوله؛ فقال:"مَنْ هذا؟ فقيل له: مولًى سادَ. قال: بمَ سادَ؟ فقيل له: احتاج النَّاسُ إلى عِلْمِه، ولمْ يَحْتَجْ هو إلى دنياهم".
ومن عجيب تدبير الله تعالى وحكمته في هذا الشأن: أن الإمام البخاري الذي جمع كتابًا هو أصحُّ كتابٍ بعد كتاب الله تعالى، والذي لو لم يكن من مآثر أهل بُخارى إلاَّ أن أنجبت هذا الرجل، ولو لم يكن من آثاره إلاَّ هذا الكتاب؛ لكفى به شرفًا له ولأسرته ولأهل بخارى كلِّهم - العجيب أن جدَّ والده كان أعجميًّا مات على الكفر! ما بلغه الإسلام، ثم يكون من سلالة هذا الأعجميِّ الكافر إمامٌ حفظ الله به الدين، وحمى به السُّنَّة، وقد عجزت كثيرٌ من الأُسَر العربية؛ بل وأعرق القبائل العربية أن تخرِج إمامًا كهذا الإمام المولى الأعجمي، الذي تدرَّس كتبه في الجامعات الإسلامية، والذي لا يزال ذِكْرُه في المسلمين، وسيستمر ما استمرَّت سُنَّة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم محفوظة.
وقلَّ أن تجد كتابًا في الشريعة استشهد صاحبه بنصوصٍ من السُّنَّة - إلا واسم هذا الإمام مذيَّلٌ عقب حديث أو أحاديث منه، وذلك فضل الله يؤتيه مَنْ يشاء، والله ذو الفضل العظيم.