فهرس الكتاب
ثالثًا: أن أبا بصرة لو خرج قبل الفجر - كما ادعى الشيخ - فمعنى ذلك أنه سافر قبل أن يجب عليه الصيام لعدم وجود شرطه و هو الإقامة، و من المعلوم أن مثل هذا يجوز له الأكل بعد الفجر بنص القرآن و اتفاق المسلمين، بل إن بعضهم أوجبه عليه، فإذ الأمر كذلك فهل يعقل أن يعترض عليه عبيد بن جبير بقول: (( ألست ترى البيوت؟! ) )، فلا شك أن هذا القول منه دليل على أن أبا بصرة خرج صائمًا، و أنه أكل بعد الفجر و أفطر، فأراد عبيد رحمه الله أن يلفت نظره إلى ما ظنه مانعًا من الإفطار و هو كونه لا يزال في حكم المقيم لأنه لم يجاوز البيوت! فأخبره أبو بصرة رضي الله عنه بأن المجاوزة ليست بشرط، و أن التمسك به خلاف السنة. هذا هو المعنى الذي يمكن فهمه من الحديث إذا تجردنا عن الهوى و التقليد الأعمى، و هو الذي فهمه العلماء كما ذكرت في الوجه الأول. و يشهد لذلك أيضًا ترجمة البيهقي للحديث بقوله: (( باب من قال يفطر و إن خرج بعد طلوع الفجر ) )، فهذا نص قاطع على بطلان ما تأول الشيخ الحديث به من المعنى، و هو مما يدل على أن الشيخ يجتهد في فهم الأحاديث - خلاف ما يتظاهر به! - و كأنه - ألهمنا الله الصواب جميعًا - يجتهد لهدمها و إبطال معانيها حتى لا تتعارض مع مذهبه، فالمذهب هو الأصل عنده، و الحديث تبع له! و هذا خلاف ما يجب أن يكون عليه المسلم كما سبق التنبيه عليه، و خلاف ما جرى عليه العلماء المنصفون حتى من كان منهم معروفًا باتباعه لمذهب من المذاهب الأربعة، و أقرب شاهد لدينا على ذلك، الإمام البيهقي رحمه الله فإنه مع اتباعه للمذهب الشافعي و تأييده له في أكثر مسائله فسر الحديث بقوله الذي ذكرته آنفًا بخلاف ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، و لم يُحَمِّله معنى لا يتحمله و لا يساعد عليه الذوق العربي و الفهم السليم، كما صنع غيره و هو ينتمي لمذهب الشافعي أيضًا!