ولا يزال في عقلي وبين عيني إملاؤه -قبل شهور قليلة- ثماني عشرة صفحة في تخريج حديث ضعيف منكر، جمع فيه بين يديه -وعلى طاولته- عشرات المراجع الحديثية مخطوطًا ومطبوعًا، نظم المراد منها نظمًا بديعًا بسلك رائع، مليء فوائد وتنبيهات، ولطائف وتعقبات.
وليس يخفى على أحد تعاطى الكتابة والتصنيف صعوبة الجمع بين النظائر من كتب كثيرة هو ينقل منها بنفسه، ويكتبها بيده، فكيف الحال بمن يملي منها إملاءً؟!!
رابعًا: رأيت اهتمامًا خاصًا من شيخنا -يرحمه اهلو- بكتاب"المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي"تصنيف أحمد بن الصديق الغماري -يراجع منه ما كتبه مؤلفه- حول ما يقع لشيخنا من أحاديث في"السلسلة الضعيفة"هي موجودة في"الجامع الصغير"فكان ينظر كلامه وينتقده، ويرد عليه، ويتعقبه ويطيل في مناقشته.
ولقد كتبت عنه بتاريخ 22 ذي القعدة 1419 هـ في منزله - قوله في هذا"المداوي"ما نصه: (هذا كتاب غير جيد، ولا أنصح بقراءته إلا لخواص طلبة العلم) وحبذا لو قام بعض الطلبة الأقوياء بتتبعه والرد عليه بكتاب يسميه -مثلًا-"الكاوي للمداوي"يقتصر فيه على تعقبه على ما صححه -أو سكت عنه- وهو ضعيف، أو ضعفه وهو صحيح! ونحو ذلك من أوهام مهمة.
خامسًا: كان آخر كتاب عمل به شيخنا في السنتين الأخيرتين: هو كتاب"تهذيب صحيح الجامع الصغير والاستدراك عليه"ولقد قال لي لما سألته عنه -أول اشتغاله به-"هذا مشروع اقترحه علي مرضي وعجزي".
وخطته فيه: تخريج الأحاديث التي لم يكن قد وقف على أسانيدها -من قبل- اكتفاء بما رآه من أحكام العلماء والأئمة عليها كأحاديث"تاريخ دمشق"لابن عساكر، و"معجمي"الطبراني:"الأوسط"و"الكبير"وما أشبه ذاك.
ثم ربط الأحاديث المختلفة المواضع من"الجامع الصغير"مما هي -أصلًا- ألفاظ لحديث واحد، مع التنبيه على ما يكون قد وقع للسيوطي من أوهام -أو أغلاط- في العزو أو الحكم.