وَقَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ اَلْمَجَاعَاتُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ أَيْضًا, وَتَدَاعَتْ بَغْدَادُ لِلْخَرَابِ مِنْ شِدَّةِ اَلْقَحْطِ وَالْفِتَنِ وَالْجَوْرِ, وَكَانَ يُصَاحِبُ تِلْكَ اَلْمَجَاعَاتِ اِنْتِشَارُ اَلْجَرَائِمِ وَعَمَلِيَّاتُ اَلسَّرِقَةِ وَالسَّطْوِ اَلْمُنَظَّمَةِ اَلَّتِي كَانَ يَقُومُ بِهَا جَمَاعَةُ اَلْعَيَّارِينَ+ اَلَّذِينَ كَثُرُوا فِي اَلدَّوْلَةِ كَثْرَةً مُذْهِلَةً وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ اَلْوُزَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَرْبَابِ اَلْحَلِّ وَالْعَقْدِ يُقَاسِمُونَهُمْ وَيَسْكُتُونَ عَنْهُمْ, وَقَدْ أَحْرَقُوا مَرَّةً سُوقَ اَلصَّغِيرِ بِبَغْدَادَ وَنَهَبُوا اَلْأَمْوَالَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اَلْأَهْوَالِ.
وَقَدِ اِنْعَكَسَتْ هَذِهِ اَلْحَالَةُ عَلَى اَلْعَامَّةِ أَيْضًا فَقَدْ عَدَتِ اَلْعَامَّةُ مَرَّةً يَوْمَ اَلْجُمْعَةِ عَلَى اَلْخَطِيبِ فَمَنَعُوهُ مِنَ اَلْخُطْبَةِ وَكَسَرُوا اَلْمَنَابِرَ وَقَتَلُوا اَلشُّرْطَةَ وَأَحْرَقُوا جُسُورًا كَثِيرَةً فَأَمَرَ اَلْخَلِيفَةُ بِقِتَالِ اَلْعَامَّةِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ 308هـ (1) وَفِي اَلسَّنَةِ اَلَّتِي بَعْدَهَا عَدَتِ اَلْعَامَّةُ ثَانِيَةً وَكَسَرُوا أَبْوَابَ اَلسُّجُونِ وَأَخْرَجُوا مَنْ كَانَ فِيهَا وَقَدْ كَانُوا فِي ثَوَرَاتِهمْ تِلْكَ عَلَى اَلدَّوْلَةِ اَلَّتِي نَشَرُوا فِيهَا اَلْخَرَابَ وَالدَّمَارَ مَدْفُوعِينَ بِمَا كَانُوا يُعَانُونَهُ مِنْ شَظَفِ اَلْعَيْشِ وَانْتِشَارِ اَلْمَجَاعَاتِ
ثَالِثًا: اَلْأَحْوَالُ اَلدِّينِيَّةُ
(1) - البداية والنهاية لابن كثير 11/205 و 11/131.