لَقَدْ نَشَأَ ابْنُ بَطَّةَ فِي حِجْرِ وَالِدِهِ وَكَانَ وَالِدُهُ مُحِبًّا لِلْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ فَاعْتَنَى بِوَلَدِهِ مُنْذُ الصِّغَرِ, حَتَّى أَنَّهُ أَوْفَدَهُ مَرَّةً مِنْ عُكْبَرَا إِلَى بَغْدَادَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَهُوَ حَدَثٌ يَافِعٌ لَمْ يُنَاهِزْ سِنَّ الْعَاشِرَةِ إِلَّا قَلِيلًا, وَقَدْ سَجَّلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قِصَّةَ إِرْسَالِهِ إِلَى بَغْدَادَ وَهُوَ صَغِيرٌ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ, فَقَالَ: (1) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبُسْرِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ قَالَ: كَانَ لِأَبِي بِبَغْدَادَ شُرَكَاءُ وَفِيهِمْ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِأَبِي بَكْرٍ, فَقَالَ لِأَبِي: ابْعَثْ إِلَى بَغْدَادَ ابْنَكَ لِيَسْمَعَ الْحَدِيثَ, فَقَالَ: ابْنِي صَغِيرٌ, فَقَالَ: أَنَا أَحْمِلُهُ مَعِيَ, فَحَمَلَنِي إِلَى بَغْدَادَ وَجِئْتُ إِلَى ابْنِ مَنِيعٍ وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ
رِحْلَاتُهُ الْعِلْمِيَّةُ
لَمْ يَقْنَعِ ابْنُ بَطَّةَ بِالرِّحْلَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الْقَرِيبَةِ الَّتِي قَامَ بِهَا فِي صِبَاهُ بَلْ إِنَّ نَفْسَهُ كَانَتْ تَحُثُّهُ عَلَى السَّفَرِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ لِيَزْدَادَ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً, وَقَدْ كَانَ طَابَعُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ هُوَ الْحِرْصُ عَلَى الرَّحِيلِ فِي بِدَايَةِ حَيَاتِهِمِ الْعِلْمِيَّةِ طَلَبًا لِلْعِلْمِ وَاسْتِفَادَةً مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ.