وَقَدْ عَقَدَ ابْنُ بَطَّةَ أَلْوِيَةَ السَّفَرِ, وَشَدَّ رَحْلَهُ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ وَمِنْ بَلَدٍ إِلَى مِصْرَ لِيَأْخُذَ عَنْ مَشَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَكِبَارِهِمْ, وَقَدْ عُرِفَ هَذَا عَنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ خَاصَّةً, حَتَّى أَنَّ الْخَطِيبَ الْبَغْدَادِيَّ صَنَّفَ فِي هَذَا الصَّدَدِ رِسَالَةً خَاصَّةً هِيَ:"الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ"وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْأَمْرُ بِدْعًا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ أَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَرْحَلُونَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ, فَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ (1) عَنِ ابْنِ بَطَّةَ: أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْغُرَبَاءِ وَسَمِعَ مِنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ فِي أَقَالِيمَ مُتَعَدِّدَةٍ وَسَافَرَ إِلَى الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ وَالثُّغُورِ, كَمَا أَنَّهُ سَافَرَ إِلَى دِمَشْقَ وَلِذَا فَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ بَطَّةَ لِتَهْدَأَ نَفْسُهُ بِرِحْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ عِدَّةِ رِحْلَاتٍ, بَلْ إِنَّ رِحْلَاتِهِ كَانَتْ تَتَكَرَّرُ كَثِيرًا, فَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ فِي (2) ذَلِكَ: إِنَّهُ سَافَرَ الْكَثِيرَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَالشَّامِ, كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْعِمَادِ (3) فِي تَرْجَمَتِهِ أَنَّهُ سَافَرَ الْكَثِيرَ إِلَى مَكَّةَ وَالثُّغُورَ وَالْبَصْرَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ.
عُزْلَتُهُ
(1) - المنتظم: 7/96.
(2) - تاريخ بغداد 10/371.
(3) - تاريخ بغداد 10/371.