بَعْدَ عَوْدَةِ ابْنِ بَطَّةَ إِلَى وَطَنِهِ مِنْ رِحْلَاتِهِ الْكَثِيرَةِ, لَازَمَ بَيْتَهُ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ فَقَدَ سَاقَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ"الْمُنْتَظِمِ" (1) مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا فَذَكَرَ بِسَنَدِهِ إِلَى الْقَاضِي أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّلَوِيِّ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ مِنْ الرِّحْلَةِ لَازَمَ بَيْتَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَلَمْ يُرَ فِيهَا فِي سُوقٍ وَلَا رُئِيَ مُفْطِرًا إِلَّا فِي يَوْمَي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ, وَكَانَ أَمَّارًا بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ خَبَرٌ مُنْكَرٌ إِلَّا غَيَّرَهُ.
وَلَيْسَ يَعْنِي الْقَوْلُ عَنْ مُلَازَمَةِ ابْنِ بَطَّةَ لِبَيْتِهِ اِنْقِطَاعَهُ اَلتَّامَّ عَنِ النَّاسِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ كَانَ أَمَّارًا بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ خَبَرٌ مُنْكَرٌ إِلَّا غَيَّرَهُ.
فَمَفْهُومُ الْعُزْلَةِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ, عَدَمَ الْخَوْضِ فِي الْفِتَنِ أَوْ الِاشْتِرَاكِ فِي وَظَائِفِ الْحُكْمِ, وَلَا يَعْنِي الِانْقِطَاعَ عَنْ نَشْرِ الْعِلْمِ بَيْنَ الطُّلَّابِ وَهَذَا هُوَ مَا فَعَلَهُ ابْنُ بَطَّةَ فِي عُزْلَتِهِ.
(1) - الشذرات 3/122.